لا تمنّوا علينا تطوعكم !


في صيف ٢٠١٠ ، منّ الله علي بفرصة المشاركة في المخيم الجراحي السنوي في الكاميرون ، الذي تقيمه اللجنة الطبية بالندوة العالمية للشباب الإسلامي.
كانت تجربة فريدة من نوعها – على كل الأصعدة. تختلف عن أي تطوع شاركت فيه قبل تلك اللحظة. تطوع حقيقي ، جهاد ، مشقة ،شيء لا يوصف.
قد أفرد في المستقبل تدوينة كاملة تتحدث عن وصف لهذه التجربة ، وتخبركم بالجماليات التي عشتها هناك. لكن ما سأتحدث عنه اليوم؛ شيء آخر. سأحدثكم عن درس “شديد الأهمية” تعلمته هناك. إنها قاعدة حياة.
ولكن قبل أن أخبركم عنها ، سأطلعكم على ما كان يدور في “عقلي المسكين” قبل أن أتعلم هذا الدرس.

كنت أرى أن الذي أقوم به؛ عمل من أنبل الأعمال. مداواة المرضى ومساعدتهم “بتوفيق من الله” ، ورفع الأذى والمعاناة عنهم ؛ من الأعمال الملائكية. أتحرى فيها احتساب الأجر، وإخلاص النية، وبإذن الله أن ذلك قد تم. لكن كان هناك صوت في داخلي يقول: “ما أعظم ما تقوم به ، أنت شخص رائع لأنك قد فرغت وقتك وجهدك للمساكين. أنت شخص يستحق الشكر والعرفان”. كان ذلك الصوت يتكرر رغم محاولاتي المستمرة في كتمه ووأده. هذا الحوار من نوازع النفس البشرية ، لاعيب في ظهوره ومروره على خاطري و خواطركم ، العيب في الإعجاب بالعمل ، وبداية التكبّر والاستعلاء بناءً عليه.

المهم، في نهاية المخيم، بعد أن أنهينا العمل الجراحي والطبي ، كان المستضيفون “من الكاميرون” قد نظموا حفلا ختاميّاً متواضعاً ، فيه تكريم للمشاركين في المخيم ، وبعض الكلمات من المسؤولين والمشرفين.
الكلمة الأهم و”الحبكة” التي تدور حولها التدوينة هي كلمة ألقاها الإمام/ محمود مال بكريرئيس لجنة العلماء الكاميرونية “والشخصية الدينية الأكبر في الدولة”.



الإمام روعة في دينه وخلقه وتواضعه، وكلمات بسيطة هنا لن تفِيه حقه. بدأ الإمام كلمته بحمد الله وشكره والثناء عليه ، والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم. ثم شكر الجهود الرائعة التي يبذلها الوفد السعودي سنويّاً في مداواة إخوانهم المسلمين هناك.
استمر الإمام في الحديث الجميل ، واستمريت أنا ومن حولي من المتطوعين في الابتسام والشعور بالفرح لما نسمعه من إطراء. وظل الحال كذلك حتى وصل الخطاب إلى:
 “لكن،، يجب أن تعلموا …“. هنا بدأت الابتسامة تتلاشى ، وبدأت محاسبة النفس الفورية في العمل. سأترككم مع فحوى ما قاله الإمام؛

اعلموا أنكم هنا ؛ لأن الله يسر لكم هذا ، ليس لسعيكم الشخصي. واعلموا أنكم هنا؛ لأن الله سخركم لنا ، و ليس لأنكم ملائكة في الأرض تسعى. أنتم مقصرووون. نعم، لا تفرحوا بما قدمتم، فإن الله لا يحب الفرحين. لا تمنّوا علينا إحسانكم، فهذا ليس بفضلكم ، هذا تيسير من الله لكم. أحبتنا لنا حق عليكم، فاحفظوا في الله حقنا. لا تغرّنَّكم أعمالكم ، فأنتم دون الوفاء بحق الله فينا بكثييير“.

بعد هذه الكلمات ، تجمد المخ، وتوقف عند فكرة واحدة:
ليس لنا فضل على من حولنا فيما نقدمه . هو حق واجب لهم علينا، وسعينا في أداءِ هذا الحق لا يعني بالضرورة أننا بلغنا “الإحسان“. نعم ، نحن بعملنا أطيبُ من غيرنا من الخاملين، لكنّنا دون المطلوب بكثير. ونحتاج إلى احتقار ما نقدمه من جهود ، لنمضي ونستمر في التقديم والعطاء.

رسالة إلى كل المتطوعين “في أي مجال كان”:
لا تُعجبوا بصالح أعمالكم، لا تمنّوا بها!
نعم، إنها من حسن ذاتكم وجميل صنيعكم؛ لكن، قبل ذلك: هي من توفيق الله لكم.
تذكروا هذه الحقيقة. واستمروا في سعي إلى المزيد، فإننا لن نبلغ الاكتفاء إلا بالإخلاص، والسعي الشديد.

دمتم مخلصين.

16 thoughts on “لا تمنّوا علينا تطوعكم !

  1. كلام يتخلله الدرر ، صحيح غالبا ما نتحدث عن عظمة أعمالنا في انفسنا ، صراحتك اكسبتنا قاعده حياتيه جديده ،. شكرًا لك اخي مستمتعيين بتدوينك والى الامام ^^ ..

    إعجاب

  2. wowما أجمل ما قاله الإمام .. تدوينة مهمة وأحب أضع رابط مدونتي فيها تدوينة عن التطوعhttp://saudiar.blogspot.com/2011/11/alabdulkarim11-20-nov-kidssa-saudi.html

    إعجاب

  3. كلامك جداً جميل يبو كريم وما اكثر الذين يستغلون ضعف الاخرين لمصالحهم الشخصية والسعي لبروز ذواتهم . ولا أبالغ حين اقول ان منهم من ينتظر حدوث الكوارث ،انتظار الاب لابنه الذكر وهو في بطن زوجته، من اجل ان يظهر بين الناس كالمنقذ وكالبطل المغوار

    إعجاب

  4. رائع رائع و اتمنى ان تكون هذه التدوينه موجودة كقاعدة واساس و دستور في اي عمل تطوعي ليرتقي الى القمه تحياتي احمد الاحمري

    إعجاب

  5. خالد: أنت الأروع يا صديقي .. نورت .. ووجودك هو أحسن نزالة .. بس ما يمنع تجيب شي ؛)بسلم: شكرا لك .. أتمنى يعجبكم مني القادم ..معن: الله يبارك فيك .. تحققت أمنياتك الحين ؟؟ 🙂

    إعجاب

  6. ابو خميس .. ياليت منك اثنين على الاقل كانت الدنيا بخير … الله لا يحرمنا من هالفكر الرائع ..ياليتهم يسمعون ويعون للأسف الله المستعان اسجل اعجابي وتقديري بمدونتك الرائعة جدا يحيى العسيري

    إعجاب

  7. غير معرف 1:نورت برابطك ومشاركتك ..غير معرف 2:للأسف اللي يعمل بهالشي إلى الآن ما عرف معنى التطوع .. ولا عرف قيمته ..أحمد الأحمري:الله يرفع قدرك يا صديقي .. شكرا لك 🙂

    إعجاب

  8. فعلا..كل شي بتوفيق الله..وعلينا تجديد نوايانا كل فترهوربي يرزق الجميع الإخلاص والتواضعمن أروع ماقرأت ماشاء الله..

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.