أطفالهم وشيباننا: لا يستوون !


سأحدثكم اليوم عن قصة “أنثًى” أسرت روحي، وأذابت قلبي.
كنت الصيف الماضي في رحلة دراسية إلى دولة هنغاريا “المجر” ، وبالتحديد في مدينة Debrecen الجامعية. مكثت هناك لمدة ثمانية أسابيع كاملة، لم أبرح معهدي وشقتي، إلا إلى عاصمة المجر – بودابست، في أحد إجازات نهاية الأسبوع، أنا ومجموعة من الأصدقاء.
كانت زيارة القصر الملكي الهنغاري “Buda Castle” جزءاً من البرنامج السياحي المحدد مسبقاً. وبعد الإجماع شبه التام على “عدم” دخول هذه القلعة العظيمة والاستمتاع بالتاريخ المشوّق الذي يقف خلف عمرانها الرائع، اكتفينا بالتقاط الكثيير من الصور، و “التميلح” في باحات القصر الخارجية، فهنيئاً لنا.
جاء الآن وقت المشروبات وأخذ قسط من الراحة، وكانت هناك الجلسة الأجمل التي تطل على العاصمة ، فتراها ملتفة حول نهر الدانوب بأجمل حلّة.
جلست ومن معي من الأصدقاء، وطلبنا بعض المشروبات “غير الروحيّة”، وبدأنا بعدها في ممارسة ما نجيده: الالتفات يمنة ويسرة، وتوزيع التعليقات و “الذبّات” علينا، وعلى الجميع.

في هذه الأثناء، وقع بصري عليها، تلك الفتاة التي سلبت مني وجودي. كانت هناك، بروعتها، وهدوئها.
لن أجعلكم “تشطحون” بعالم الخيالات، وسأشارككم صورتها:

كانت هذه الجميلة “ابنة الإحدى عشر ربيعاً” تجلس هناك، بكل هدوء وسمت، في جلسة أعلى ارتفاعاً من جلستنا، لا يشغلها عما في يدها أي شيء.
وكعادتي “يحكّني” جلدي حتى أعرف ملابسات الموضوع، وأعلم ما الذي يشغلها، ويجعلها مندمجة إلى هذه الدرجة. بدأت في إطالة رقبتي، وإمالتها يمنة ويسرة، ورأيت ما صدمني! كانت الفتاة تمسك بيدها: كتاباً. نعم، في اللحظة التي كنت “أحوس” فيها بالآيباد بين التطبيقات والألعاب بحجة أنني في برنامج سياحي ويجب أن “أفلها”، كانت هي تحتضن ذلك الكتاب، وتمعن القراءة فيه. تسمرت عيناي على طاولتها، بدأت أجول ببصري حولها بحثاً عن عائلتها، لكن لم أجد أحداً هناك. استمرت هي على هذا الوضع، واستمريت أنا في المراقبة، وبعد فترة وصلت أمها إلى الطاولة لتشاركها الجلسة، وبدؤوا في الدردشة. تبيّن لي من لكنتهم أنهم بريطانيّون، استرقت السمع، ووصل إلى أذني الحوار التالي:

الأم: أرى أنك مستمتعة بالكتاب.
الفتاة: في كل صفحة منه. شكرا يا أمي لأنك اشتريتي لي هذا الكتاب، ممتع جداً!
الأم: أنتِ من أصر على التضحية بزيارة الـ Mall، للذهاب إلى المكتبة. يجب أن تشكري نفسك.

في هذه اللحظة: طارت عيناي من محجريهما، وبالفعل، “استحيت” من نفسي. o-O
أخرجت الأم بدورها كتاباً من حقيبتها، وبدأت في القراءة، وظل الصمت والهدوء هو سيد الموقف. وبين الفينة والأخرى، تكسر إحداهما الصمت لتشارك جملة أعجبتها، أو تناقش فكرةً أثارت انتباهها في كتابها. كان جوّاً .. يصعب وصفه.

أصدقائي كانوا يحذرونني من استمراري في المتابعة، وبعضهم بدأ في قذف بعض “الذبّات” عليّ، لكنني استمريت في الاستمتاع بهذا المشهد الملحمي، حتى آخر لحظة فيه. قبل رحيلنا، توجهت للأم “التي تفاجأت في البداية من قدوم شخص غريب إليها“، عبّرتُ عن إعجابي الشديد بعلاقتها مع ابنتها، وطريقة ترتبيتها لها. واستأذنتها في إخبار هذه القصة في مجالسي، ونشر الصورة بين معارفي، علّ القصة أن تكون منطلقاً للتأثير! وبكل ود: وافقت.

بعد هذا الموقف: فهمت أخيييراً ولعهم الشديد بالقراءة. بدأت أستوعب الصور التي كنت أراها لأشخاص “من مختلف الأعمار ومختلف المظاهر” يقرؤون في القطارات، وأماكن الانتظار. لا عجب أنهم “أمة تقرأ“! فالذي رأيتُ بعيني كانت البذرة التي أثمرت هذه الخيرات، وأسلوب التربية العجيب الذي يتعاملون به “ليس الكل” هو المساهم الأكبر في إخراج جيل مثقف يقود العالم في شتى المجالات.
في هذه اللحظات التي كانت الأم تناقش مع ابنتها كتاباً تقرؤه، كان بعض الزملاء يمرون بي وأنا أقرأ في كتابٍ خارج التخصص الدراسي، ويرفعون حواجبهم من الاستغراب،، ماذا تفعل ؟!!!
في تلك اللحظات التي نرى فيها ولعهم الشديد في نشر ثقافة القراءة بين طلابهم وأطفالهم، نرى أبناءنا يعايرون الفتى الذي يقرأ في فصلهم، ويناقش المواضيع الطويلة بـ “الفيلسوف” !

أرى كل ذلك، ولا أعجب للنتيجة، فهي حصاد ما نزرع. ولن يتغيّر فينا شيء حتى نحسن الزرع، ونهتم بنموّه، حتى يُنبت شجراً وارف الظل، ويؤتينا قطوفاً دانية.

وﻷن كثرة الكلام والانتقاد دون العمل والتطبيق من أكثر العادات التي تخيفني، فماذا سأفعل؟
في 2012 بإذن الله، سأحرص على نشر ثقافة القراءة في بيتي، بين إخوتي الصغار. سأعمل على مشروع ثقافي صغير، هدفه نشر “حب” القراءة، وترغيب النفس بالاطلاع. وأرى نتائج هذا المشروع نهاية العام. لعلي أشارككم به في وقت لاحق.
هدفي وحلمي: أن نكون “أفراداً وجماعات” منابر للقراءة والثقافة. وتقصيري في قراءتي الشخصية، لن يمنعني بإذن الله من صنع أفرادٍ قارئين، ففي النهاية: وجودهم يحفزني، ويزيدني حماساً ونشاطاً.

دمنا “أمة تقرأ
🙂

14 thoughts on “أطفالهم وشيباننا: لا يستوون !

  1. موقف جميل …وطريقة نقلك له \” رائعة ومشوّقة\”…حقاً \”فتاة\” بهذا العمر وبذلك الموقف وفضّلت الذهاب للمول على الذهاب للمكتبة لشراء كتاب… يحق لها أن تأسر روحك وتذيب قلبك..فكم من فتياتنا أو شبابنا في مثل عمرها ووجدناه في مثل موقفها(من تفضيل الكتاب على اللهو والتسوق في المول)من دون أن تنهمر عليه \”أمطار الاستهزاءات\” من المارّة أو قد نجدالبعض بارعين في شغل أوقاتهم بأمور لافائدة منها …بالفعل نحتاج أن ننشر ثقافة \”اقرأ\” في مجتمعنا وابتداءً من عائلتنا.. وفي صالات الانتظار…لنكن \”أمة اقرأ\”..ولنغيّر مفهوم أن \”الكتاب=دراسة\” وليكن \” الكتاب=ثقافة + وعي+ حضارة\”…أعجبني حرصك على نشر الثقافة ونشر الوعي بحب القراءة…ومازلنا ننتظر مشاركتنا بمشروعك الثقافي الصغير لنستفيد معك…تدوينة جميلة…ومدوّنة رائعة تستحق القراءة ماشاء الله..بورك قلمك يا أخي..

    إعجاب

  2. تدوينة جميلة وعائلة رائعة ،ربنا يصلح الحال واسمحلي بسؤال :هل يوجد جدول يستطيع (القارئ النهم ) السير عليه حتى لا تكون قراءته عشوائية وبدون فائدة سوى أنه يروي ظمأه للقراءة ؟ أنا أقرأ ، لكن أحس إني أقرأ بدون خطة ممنهجة وبالتالي فإن قراءتي كبناء بلا قواعد تجعلها راسخة متسلسلة متدرجة ، للأسف ، فهل من مرشد ؟أختك /إيمان ،emasoudh.wordpress.comطالبة كلية الطب الجامعة الإسلامية غزةالمستوى الخامس

    إعجاب

  3. رائع ذلك الموقف الذي خطته أصابعك , والعبره المؤخوذه منه أجمل .. وفي نظري لو أن الجميع كان موقفهم مثل موقفك تجاه القراءه واصرارك على غرس حبها في قلوب أطفال أسرتك ، لصرنا بالفعل \”أمة تقراباركـ الله فيك ونفع بك الأمه ,بنــت أبوظبي

    إعجاب

  4. يسلم بؤك يا باشا أليس من الحق والواجب أن تنشر هذه الثقافة لدى زميلك الذي كان يجلس بجانبك في تلك اللحظات …واتمنى أن تعيد النظر وتضعني ضمن اهدافك صديقي العزيز تحياتي

    إعجاب

  5. د. إيمان:حياك ، وسعيد جدا بالمرور على مدونتك، تمت إضافتها لقارئ الخلاصات عندي :)بالنسبة لسؤالك، أفادني كتاب: \”كيف تبني ثقافتك\” للدكتور علي العمري .. جمع الكتب الأكثر أهمية والأعمق محتوى في كل مجال، ورتبها بشكل جميل، يساعد القراء المبتدئين مثلي .. راح يفيدك إن شاء الله ..ساعدني أيضا: موقع Goodreads في اختيار الكتب اللي أريد أن أقرأها، تقييم الناس لها وآراؤهم حولها تسهل عملية الاختيار ..نورتي يا أختي ..:)

    إعجاب

  6. ألم يكن لديك ذلك الفضول الذي يتملكني الآن لتعرف عن ماذا كانت تقرأ؟فنوعية الكتب التي نقرأها بلا شك تشكل فرقاترى ما هي طبيعة الكتب التي يقرأها صغارهم؟؟ولكن في النهاية فكرة انها ضحت بالمتعة والتسوق لأجل القراءة تشل تفكيريخواطر رائعةوسرد موفق أخياستمر

    إعجاب

  7. بلى ..لكني خفت أن كثرت التواصل معهم قد تفهم بشكل مغلوط !!!\”تخبر .. ما فيه أحد أموره تياسير مثل شعبنا .. هذولاك يخافون بزيادة\” :)تفكيري ومخي \”مشلول\” منذ تلك اللحظة ..نورت يا أخي

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.