كالطيور المهاجرة، غرّد !

وجودنا ضمن نطاق اجتماعي واسع ومتنوع “كـ تويتر” هو أمر حسن وجميل، له إيجابيات كثيرة. فهو مكان للتواصل ومعرفة آخر أخبار، وهو كذلك بيئة رائعة لتبادل الخبرات المختلفة، والالتقاء بأناس رائعين يشاركوننا نفس الاهتمامات، لم نكن لنحظ بفرصة اللقاء بهم في حياتنا الواقعية. البعض -كذلك- قد يتخذ هذه الشبكات كوسيلة لمشاركة أحداثه اليومية، و الفضفضة عما في خاطره، والبعض الآخر يستمتع بمتابعة هذه اليوميات والفضفضات.
لكن كأي  شي في هذه الحياة، الشبكات الاجتماعية تحمل بعض المساوئ والعيوب. فعلي سبيل المثال: تويتر يحرضك على الكتابة عما يدور في خلدك من أفكار وخواطر “خديجة” و “نص استواء” دون أن تنقحها وتعيد النظر فيها. البوح بهذه الأفكار يقتلها قبل أن تولد، ويحرمك من التفكير البنّاء فيها، فتذهب أفكارك مهب الريح ، دون أن تستفيد منها. الهواجيس والخواطر هي بمثابة “النحّات” الذي يخرج لك بنيّات أفكارك ومواقفك تجاه أي قضية أو مسألة، كقطعة فنية جميلة، تسر الناظرين.
هو أيضاً يتبنى قضية جديدة كل ليلة، ولكل قضية مؤيدون ومعارضون، وابتداء  لتراشقٍ بالسبائب والشتائم، وطعن في النوايا والأفعال. فـ “هشتقة” أي شخص غدت سهلة ويسيرة، وأظن الهاشتاق العربي سيعين إخواننا المهشتقِين على إتمام عملهم بصورة أكثر فعالية. فتويتر بهذه الطريقة “ممثلاً بمستخدميه” يوهمك بأن العالم في حروب تترى، والمشاكل تملأ الدنيا من شرقها لغربها، والناس كلهم في أحزاب، إما “معنا” أو “ضدنا” ، وإن أبيت الخوض معهم، فإما أنك عميل ضدّهم، أو -في أحسن الأحوال- أنت جاهل وسخيف، لا تمتلك رأياً في المستجدات الملمة بالأمة !!
ناهيك عن إشغاله الدائم لنا عن القيام بأعمالنا المطلوبة منا ، وزملائي الطلاب يعرفون ما أقصد، فالتايم لاين يكون في أجمل حلة عندما يبدأ وقت الدراسة، والحكمة والتنظير وحب التواصل تتجلى علينا وقت انشغالاتنا ودراستنا. 

نأتي لـ “حبكة التدوينة”:
أطلق أخي وزميلي/ سليمان الرميخان قبل فترة مبادرة: “أسبوع بلا تغريد”  –  “OneWeekNoTweet“، وأظنها لاقت استحساناً ورواجاً بين إخواننا وأخواتنا المغردين والمغردات.

على الصعيد الشخصي:
انقطعت عن الشبكات الاجتماعية عن بكرة أبيها، والانترنت عموما “باستثناء البريد الالكتروني” لمدة أربعة أشهر الصيف الماضي. كنت مضطراً إلى ذلك لظروف الدراسة الصيفية في الخارج، والانشغال على بداية العام الدراسي هنا، فتركت تويتر والـ فيسبوك والـ يوتيوب على مضض، وجاهدت نفسي على ذلك. لا أخفيكم مر الأسبوع الأول كالجحيم، وكانت “يدي تحكني” وبقوة لأفتح التايم لاين ولو للحظة واحدة ، وكان حديث النفس وقتها: “نظرة واحدة بس” !!
لكن بعد مضي أسبوع حاولت أن أشغل نفسي فيه قدر الإمكان، بدأت الأمور تتحسن.
طرحت على نفسي السؤل التالي/ ماذا كنت تفعل قبل مجيء الانترنت وهذه الشبكات؟ وما هي وسائل الاستمتاع التي كنت تعيشها “أيام الجاهلية” ؟!!
أمسكت بالقلم، وبدأت في سرد قائمة بالأشياء التي أستطيع أن أفعلها بعيداً عن “التايم لاين” الحبيب. وفوراً: بدأت بتطبيق ما كتبت ، والاستمتاع به:
  • بدأت أمارس الرياضية يومياً لمدة ساعة كاملة، وبشكل منتظم. الرياضة وحدها من اللذات التي نفتقدها ولها أثر كبير على النفس والروح قبل الجسد.
  • الاختلاط بالناس والأصدقاء كشخصيات حقيقة لا يمتلكون أي “وجه” افتراضيٍّ أطلق بناء عليه الأحكام عليهم، كان نعمة أخرى.
  •  في كل ليلة، وبعد أن أنتهي من ساعات الدراسة الذاتية، كنت أتوجه إلى كرسي وحيد في منتصف الحرم الجامعي بجامعة Debrecen ، وأستمتع بقراءة كتاب “رايق” لا يمت لدراستي وتخصصي بصلة.

أمضيت وقتي هناك بأمور تخليّت عنها بعد أن أصبح الانترنت هو المجال الأول للتسلية في حياتنا، والتواصل عن طريقه هو الطريقة الأمثل والأكثر راحة لنا. 

عُدتُ  بعد الشهور الأربعة إلى الانترنت ، وتويتر خصوصاً، وكلي إحساس بأنني شخص أكثر نضوجاً، وأكثر تمهلاً في أحكامه. وقررت أن أعيد التجربة مرة أخرى عندما أكون في حاجة إليها. والأسبوع الماضي ، كانت الحاجة في أوجها، فكانت “الزعلة” ، وتم الانقطاع !!

المحصلة: أعود دوماً بنفس أخرى، أنجز المهام المتعطلة، أعيد النظر في قراراتي وأحكامي، وأقيّم مواقفي السابقة تجاه كل شيء.

شخصياً: أراها تجربة ناجحة. أنصحكم جميعا بخوضها إذا أحسستم بثقل الدنيا عليكم. كونوا كالطيور المهاجرة، غردوا بانقطاع، وستحسون بالفرق!

دمتم في بال صاف، وروح مطمئنة.
🙂


———-
روابط:
تدوينة سليمان الرميخان: حينَ تركتُ تويتر ! #OneWeekNoTweet

3 thoughts on “كالطيور المهاجرة، غرّد !

  1. للهدوء صوت صاخب يا مُحمّد ..صوت ذواتنا .. أرواحنا .. وتويتر لا يمتُ للهدوء بِصله ..لا يجتمعان الأثنان أبداً .. إما صوت عميق يحاكي ذواتنا أو صوت عالي يسلب منّا الأول !بالنسبةِ لي قطعت تويتر لأسبوع مع أستاذي سُليمان ثمّ قطعته إلى أجلٍ غير معلوم ولو نظرنا للحقيقة أنا أشعر براحة تامّة الان تويتّر كان يصوّر لي الحياة وكأنها قطع فاكهة وسط مَفرمة ! الان أشعر أنَّ كُل شيء في سلام ..لا شك في أنني فقدت الكثير من الصلاحيات كالحلطمة مثلاً لكن أرى أن أفرّغ طاقاتي بعيداً عن ١٤٠ حرف بطرق كثيرة أفضل بكثيرسلامي لِروحك

    إعجاب

  2. أعجبتني تدوينتك أخي محمد ..لست من هواة التويتر .. ولكنني من هواة الفيسبوك .. إنقطعت عنه سابقا لفترة طويلة للغاية اعتقد أنها كانت فصلا دراسيا كاملا ونصف فصل .. ثم عدت إليه مرغما .. ليس لأنني لم استطع المقاومة ولكن بسبب الـ GCC ..الآن لم أفكر في الإنقطاع عنه .. وفتحت حسابا في تويتر ولكني لا استخدمه إلا مرة كل اسبوع أو كل إسبوعين وكفى ..لا ادري ربما أتوقف عن إستخدام الفيسبوك لمدة طويلة قادمة .. ولكن الإحساس الذي يتولد لديك جراء انقطاعك عن هذه التكنولوجيا الحديثة يولد في نفسك رغبة للإستمتاع بكل ما هو ممتع -دون التكنولوجيا- وهذا أمر رائع وبالخصوص الطلعات الإجتماعية والجلسة مع الأهل والأصدقاء .. دمت بود ..

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.