ذكريات الزمن الجميل


أمضيت اكثر من شهرين منذ أن كتبت آخر تدوينة لي هنا. لعلها ظروف الاختبارات والتخرج، ولعله أيضاً “الكسل” العام المصاحب لهذه اللحظات.
بالأمس كنت أتحدث مع صديق مقرب عن مواضيع متفرقة، فسألني فجأة: “على الطاري،، وش صار على مدونتك؟؟ وراك هونت؟”. جلست أتعذر أمامه بظروفي الحالية، لكنه كان حازما معي بردّه: “كل ما طولت أكثر عن التدوين، بتواجه صعوبة أكبر في العودة!!”
فقررت أن أكتب ولو خربشات بسيطة، قد لا تفيدكم ولا تعنيكم بشيء، لكنها بالنهاية: تدوينة من خاطري وأفكاري، تمثلني وتصف ما حولي، فتحملوني.

الأسبوع الماضي كتب الله لأميرتي وأختي الغالية أن تدخل حياة الزوجية، كانت من أسعد اللحظات عندي على الإطلاق. جعلتني أختي فخوراً جداً بها، بثباتها وابتسامتها وحنانها. عسى الله أن يوفقها في كل أمورها، ويغدق عليها من واسع فضله.
المهم: أثناء ترتيبات الزواج والزفة “ومن هالخرابيط”، تم الاتفاق مع محل في مدينة “عنيزة” ليأتي إلى مدينتنا “المذنب” ويتولى مسؤولية “الكوشة”، ذلك الشيء الذي لم أعرف منه سوى اسمه، حتى يوم زواج أختي o-O.
سأختصر عليكم الموضوع، لما جاء وقت دفع “الحساب” كانت الوالدة على تنسيق مستمر مع المشرفة على المحل، التي طلبت بدورها أن نقوم بتحويل المبلغ على حساب في بنك الراجحي يحمل اسم” “فلان بن فلنتان الفلاني”. والدي العزيز لما سمع بالاسم، سرح لبرهة، ثم طلب من والدتي أن تسأل صاحبة المحل: “هو أبو مشعل اللي درس في جامعة الملك سعود هاك الحين؟”. الرد كان بالإيجاب. طبعاً للضغط الذي كان في مرحلة ما قبل الزواج لم يتسنَّ لنا أن نأخذ من أبي تفاصيل هذا الرجل والذكريات معه. لكن، بعد الزواج بيوم، اتصلت مشرفة المحل على الوالدة، ليتم تفكيك الكوشة وإرجاعها “وأنا كنت أحسب الكوشة باقة ورد:p”. لما وصل أصحاب الكوشة إلى البيت، كان أبي قريباً من الباب، فقام باستقبالهم. تفاجأ بـ أبي مشعل في وجهه، وهو يبتسم. كانت لحظة تاريخية.

أبو مشعل، درس مع أبي في الجامعة عام 1978 م ، وعاشوا أجمل الذكريات، لكن كعادة الحياة، الكل يفترق ليعمل في طريقه. و شاء سبحانه أن يكتب لهم لقاء “بالصدفة” بعد 34 عام.

صورة للرياض عام 1978 م


دخل أبو مشعل للبيت هو وابنه مشعل، وكانت السعادة ظاهرة على وجه “الكهول”. هل سبق ومررتم قبل هذه اللحظة بشخص عزيز عليكم، غائب عن أعينكم، قد بلغ منكم الشوق إليه مبلغه، ثم تأتي لحظة تجمعكم به؟!! وقتها، تأتي السواليف “تترى” وتتتابع، وكل سالفة وذكرى أجمل من أختها، وترسم على المحيا ابتسامة أوسع وأجمل. هذا بالضبط ما كنت أعيشه في تلك الليلة.
كانت الذكريات متفرقة ورائعة. أيام الكفاح، أبناء القرية “المنتفون” يزورون الرياض للمرة الأولى، لم يروا في حياتهم خيراً قط. نداؤهم وقت الجوع: “معك أربَعَك؟ << حاول أن تنطقا باللكنة القصيمية الصرفة“: ومعناها: أمعك أربعة ريالات، قيمة “ربع” دجاجة بخاري ؟؟
ذكريات وذكريات، أبناء القرية يزورون المدينة لأول مرة، محمّلين من أهلهم بالوصايا والتحاذير “انتبه من الدشير؟ أهل الحبوب واجد بالرياض! لا يضحك عليك أحد”. يدخلون مجتمعاً جديدا عليهم بالكلّية. يعيشون التجارب كلّها للمرة الأولى، بسذاجة تامة، ليس معهم من يقدّم لهم النصح، تصفعهم الحياة كلّ مرة ليتعلّموا من قسوتها. تباين عجيب بين حياتنا الآن، وحياتهم في الماضي.
يتحدثون عن كل الذكريات، الجميلة العذبة، والمؤلمة المفقرة المتعبة. العجيب في الموضوع، أن جميع تلك الذكريات كانت موضع سعادة وابتسام حين سماعها، أن ينظرون إلى الماضي القاسي، وكيف استطاعوا مع كل ما مروا به أن يبنوا مجتمعاً مستقرّاً، وأن يوفروا لمن تحت أيديهم حياة كريمة، هذا النجاح بعينه.

بدأ الحديث عن السوالف المتعلقة بالعزوبيين، أروع السوالف على الإطلاق. في ذلك المجلس، ردد الكهلان سويّاً مقطعاً من قصيدة “قارئة الفنجان” لنزار :

جَلَسَت والخوفُ بعينيها
تتأمَّلُ فنجاني المقلوب
قالت:
يا ولدي.. لا تَحزَن
فالحُبُّ عَليكَ هوَ المكتوب
يا ولدي،
قد ماتَ شهيداً
من ماتَ على دينِ المحبوب
فنجانك دنيا مرعبةٌ
وحياتُكَ أسفارٌ وحروب..
ستُحِبُّ كثيراً يا ولدي..
وتموتُ كثيراً يا ولدي
وستعشقُ كُلَّ نساءِ الأرض..
وتَرجِعُ كالملكِ المغلوب ..

ردداها سويّاً. أغشي علي من الضحك يومها. كأني رأيت فيهما بريق العشرين يتحدث ويشاغب في تلك الليلة.

يتحدثان عن ذكرياتهم مع أغاني “فيروز” في ذاك الزمان: “كتبنا مية مكتوب ولهلا ما جانا رد” ، “حبيتك بالصيف .. حبيتك بالشتي” و “سألوني الناس عنك يا حبيبي“. كيف أنّهم وقعوا في الحب، دونما محبوب، كيف كانوا يدخلون في جوّ شديد الرومانسية عند الإنصات لصوتها. كيف أنهم كانوا يبكون من الحب، وهم لا يعرفون من الحب شيئاً، لا في الصيف ولا في الشتاء، ولا حتى في الخريف !!

مررنا على ذكريات سينما “الملز”، حينما تعرض الأفلام الأجنبية في نادي الهلال والنصر، يحضرها كل أبناء الطبقة الكادحة، من المواطنين والمقيمين “سعودييون، يمنيون، سودانيون”، وكلماً ظهرت على الشاشة امرأة، بدأ الجميع بالصراااااخ “أوووووووووه”، تماماً كالأطفال.

حدثنا أبي عن قصته في أول أسبوع أتى فيه للرياض، قرويّاً كان لا يعرف من الدنيا شيئاً. سمع اثنين يومها يتحدثون عن “المركز الترفيهي”، وأنه مكان للأكل تقدمه الجامعة بسعر رمزي. ركض أبي حينها خلف أحد الرجلين ليرى هذا المركز، دخل المطعم الجامعي، ولأول مرة في حياته يرى أكثر من طبق وصنف معروضة على وجبة واحدة. في الماضي كان “المرقوق – بدون اللحم” هو أقصى أمنياتهم! دخل إلى المطعم، لا يعرف أسماء الوجبات المعروضة، انصدم بكمية الأكل الموجودة، وطريقة الأكل، تحمل الصينيّة معك، وتختار ما بدى لك. مستجدات يعجز العقل عن استيعابها !! بدأ فوراً بتقليد الشخص الذي أمامه، ولأنه يجهل أسماء الأكلات، اكتفى بالإيماء فقط للوجبات التي يستحسن شكلها، وكأنه يعرفها من قبل. قدر الله أن يؤشر بأصابعه للـ “مخلل/طرشي” ، ولك أن ترى تمعض وجهه عندما أكله فيما بعد. جلس أبي على الطاولة، وقلد غيره فاستعان بالملعقة والشوكة والسكين. كانت كما يصفها “أجمل وجبة أكلها في حياته”. رجع للبيت وغط في نوم عميق، ولم يأكل بعدها وجبة إلا بعد يوم ونصف !! هكذا يشبع أبناء القرية.

يالله، كان ليلة مختلفة، أن تسمع ذكريات خالدة، من شيخين سعيدين بلقاءٍ بعد طول غياب. كان شعوراً لا يوصف.
عسى الله أن يرزقنا حياة نتذكرها بكل خير بعد أن نشيخ. وأن يحيينا حياة طيبة إلى أن نصل للحظة نقف فيها للذكرى.

كانت هذه خاطرة عابرة، لسلامة المدونة العامة من الانقطاع. ولسلامة المدون من “السحبة” التامة.

شكرا لمروركم
🙂

2 thoughts on “ذكريات الزمن الجميل

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.