العيال كبرت !!

اليوم هو أول أيام العمل كطبيب و طبيبة امتياز لإخواني وأخواتي طلاب كلية الطب بجامعة الملك سعود. لحظة طال انتظارها، وثمرة حق لنا أن نجنِيَها وننعم بها.
بالنسبة لي، كان اليوم “إجازة” حسب الجدول المسند لي في دروة طب الطوارئ -التي أستهل بها عامي كطبيب امتياز- ، لكن كان علي حضور اللقاء التعريفي مع الطبيب المنسق لهذه الدورة بناء على طلبه. عدنا إلى ذات المقاعد التي كنا نجلس عليها أيام الدراسة، لم يكن ذلك منذ زمن بعيد، قبل شهر واحد فقط كنا هناك، لكن.. اليوم زرنا المكان كأطباء، يبعث الله على أيديهم الدواء، ويجعلهم أدوات لرحمته في هذه الأرض. ما أعظم المهمة، وما أكبر التشريف. بالأمس القريب، كنا -واعذروني على المصطلح- ندربي دموجنا ” أي نقلب رؤوسنا يمنة ويسرة دون هدى أو نور” في أسياب كلّيتنا، لم نكن نعتقد ان تكون لحظة المسؤولية قد اقتربت. صحيح أننا عشنا لأجلها، وبنينا حولها الأماني والأحلام، لكن أيام الدراسة الطويلة كانت بمثابة “المسكّن” الذي بعث بنا إلى رقاد، وجعلنا ننساق لما يقال من لسان كل آمر وناهٍ. اليوم، نحن من نصنع الطب “أو هكذا يجب أن نكون” 🙂
وبما أن أعمالي اليوم كانت تنتهي بانتهاء المحاضرة التعريفيّة “ساعة واحدة فقط”، قررت بعدها التجول في أرجاء المستشفى، لأرى دشير “البارحة”، وأطباء “اليوم”. مررت بكل الأقسام تقريباً، وكان منظراً يسلب العقل من مكانه، ويقر العين بجماله. أن يكون ما يقرب من الـ 300 طبيب وطبيبة فاعلين، في يوم واحد، يعملون لأجل أهداف سامية، يبتسمون، وبنفس الوقت يعانون من خوض التجربة الجديدة، لكنهم لا ينفكّون يتعلمون، ويبذلون المزيد من الجهد في كل مرحلة.

استمريت في المرور بين مرافق المستشفى، أرى زميلي “عبد الله” في يومه الأول، يأخذ التاريخ المرضي من امرأة عجوز  قد وصلت للتو إلى قسم الطوارئ. أتجاوزه لأرى “فهد و محمد” يمشيان بحرص خلف الطبيب المشرف عليهما، وهما يدوّنان الأوامر التي يلقيها عليهما. وفي مكان آخر، أجد “عبد الرحمن” كعادته، فاهياً متأخراً يبحث عن مريضه الذي أضاعه !!
أرى “نواف” في منتصف محطة الأطباء، يراقب بحرص عمل الأطباء، وفي رأسه ألف هاجس وفكرة، كونه المشرف على مجموعة من أطباء الامتياز.
وفي مكان آخر، أجد “سعد” جالساً مع ثلاثة من الأطباء، لا يفعل وإياهم شيئاً سوى “دق الحنك”، وعندما قابلته لاحقاً سألته: “وش سويت اليوم؟”، وبكل (هيط) رد: “كنت مشغول مع المرضى كللل الوقت”.. لسان حالي: “يا نصاااااااااب”. لطالما كنت طالباً ظريفاً يا سعد، ولا تزال كذلك، إلا أنك ترقيت لتكون: طبيباً ظريفاً 🙂

كلهم، كل الأصدقاء والزملاء، كانوا أناساً جمعتني بهم سنون الطب، ومقاعد الدراسة، وأجنحة المستشفى. واليوم، بعد ست أعوام من أول يوم قابلتهم فيه: ها هم، أضحوا زملاءَ “مهنة”، و أطباءَ المستقبل، بالفعل: “العيال كبرت“.

صورة لبعض عيال الدفعة في آخر يوم من السنة الأولى في الكلية – عام 2008

زملائي الأطباء:
قطعنا معاً شوطاً من أجمل أشواط الحياة، كنّا لبعضنا أهلاً وعائلة. درسنا معاً، ومضينا معاً، شددنا على أيادي بعضنا حتى ننهي المشوار، ونصنع التميز. كنا طيلة ست سنين مضت، خير إخوة، لن أنساكم ما حييت. ولا بد أن نلتقي يوماً ما، هنا وهناك، في أرجاء الوطن، لنواصل المسيرة، ونحكي للناس قصة كفاح ، يسطرها كل من كانت له في كلية الطب ، مسيرة.
دمتم بخير 🙂

2 thoughts on “العيال كبرت !!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.