مزعلك عيدك؟ جدد !!


العيد: اللحظة التي كنا نكتب عن تفاصيلها مذ أن كنا في صف التعبير بالمرحلة الابتدائية. أيام احتفال، وطقوس متكررة، إلا أنها مفرحة وتبعث السرور والمهجة في القلب، أو -في أسوء الأحوال- تبعث على الطمأنينة.

العيد مع عائلتي له طقوس متشابهة كل عام. صلاة العيد، العودة للبيت ومعايدة العائلة الصغيرة، قبلة هنا، وقبلة هناك للجميع. اجتماع أهل “الحارة” في المسجد والمعايدة، وأكل “عيد” كل بيت، القيام بالجولة الصباحية مع الأعمام وأبناء العم على الأقارب، والأصدقاء والمرضى وكبار السن. الساعة ١١ ص  -كحد أقصى- ينتهي هذا الجدول الحافل. نومة “يحبها قلبك” إلى منتصف العصر “أو تزيد”، ثم بداية برنامج العيد المسائي، والاستعداد لعشاء العائلة.
هذه تفاصيل عيدي، وأتوقع أن الجميع يمر بطقوس مشابهة، أو على الأقل: له طقوس اعتاد على أدائها والقيام بها، عاما بعد عام.
طيب، وبعدين ؟!!!
تأتي “الحلطمة” السنوية المعتادة، التي تسمعها من الناس حولك: “ياخي العيد ما عاد له طعم مثل أول !!” ، أو “يا رجل العيد يوم حنا صغار كان أونس” ، وهكذا دواليك …
هو إحساس فيه جزء من الصحة، و شعور يراود الكثيرمن الناس. لكن السؤال الجوهري : لماذا ؟!!

أصدقكم القول: لا أملك لذلك جواباً مقنعاً، أو كلاماً “يجمد على الشارب”، لكن،، اسمعوا مني ..

حالتي الصحية -والنفسية إلى حد ما- كانت “لك عليها” من قبل العيد بليلتين، و بعد صلاة الفجر صباح العيد ازداد التعب قليلا، فاضطررت إلى البقاء في الفراش، وإطالة النوم، ولم أدرك صلاة العيد، ولا الاجتماعات والمعيادات الصباحية. استيقظت منهك البدن والروح قبيل الظهر، أبي وإخوتي عادوا من برنامجهم المعتاد، عايدتهم، وسواليف “من هنا ومن هنا” عن برنامجهم، وبعدها توجهوا للنوم، اختليت بي، وجلست أمام نفسي، اتخذت موقف المسائِل والمستَفسِر: “هاه؟ لم تقم بالطقوس المعتادة، بماذا تشعر ؟!!” .

بكل صدق: أشعر بأنه كأي يوم عادي، بل أسوء، الجميع عاشوا “ولو جزءاً” من الفرح والتجديد، وأنا أعيش نفس رتابة الأيام العادية. صحيح أني لم أتعمد قضاء اليوم بهذا الشكل، لكني أحسست بشيء ناقص، لم أعش فرحة العيد.

لن أطيل الكلام والسرد عليكم،، في عمق تفكيري وتأملي، زارتني عبارة كانت شعاراً لنا، في أحد الرحلات الشبابية مع اللجنة الطبية بالندوة العالمية للشباب الإسلامي.
كنا نتمتع بأجواء الطائف وقتها، وشعار رحلتنا كان: جدد!
في كل شيء، جدد!
جدد إيمانك !
جدد ثقافتك !
جدد علاقاتك !
جدد صحتك وبدنك !
والأهم: جدد نيتك !

بدأت أتيقّن أن الإحساس بطعم العيد، هو شعور نابع من دواخل النفس، فيملؤها فرحاً وسروراً.. وهو كذلك ينبعث منها لينعكس على الناس ويرسم على وجوههم البسمة.
إذاً هو ليس “عيديّة تُوزع، ولا ولائم تُؤكل، ولا ملابس جديدة تُلبس، ولا ألعاب نارية تُطلق لتضيء السماء. كلا، ليست كل هذه إلا تفاصيل، لا علاقة لها بـ “حبكة” الموضوع. نعم، هي مظاهر لإعلان الفرحة، تساهم في خلق جو فريد، أحياناً نحتاجها وبشدة لنحس بالتغيير، لكن: لا نفع لها أبداً إن لم ندرك الحبكة، ونفهم صلب الموضوع.
الحبكة، والصلب: هي في تجديد النية، واستيعاب معنى العيد حتى يتغلغل في أعماق القلب.

جدتي رحمها الله، كان تزهد بالملابس، لا تحب الإسراف في الولائم، تكره الألعاب النارية لخطورتها، ومع ذلك، فقد كان العيد حولها: جنة!  كانت مصدراً مستمراً وجارياً للسعادة.. كانت فرحة تمشي على الأرض. اسمعوا مني هذه الحكاية، قد لا تعني لكم شيئاً، لكن بها ستفهمون الحبكة ..

حينما كنت طفلاً صغيراً، لم يكن لي حظ من الأمهات والنساء اللاتي يقمن بتوزيع العيديّات، وكنت في كل عيد أرجع خالي الكفّين ،والجيبين أيضاً !!
وذات عيد، رأيت أن الجميع قد أخذ نصيبه من العيديّات، وبعض أبناء خالتي حصل على “٥٠ ريال”، أتدرون ما معنى ٥٠ ريال لطفل صغير ؟!!
أنا أخبركم: الفللللفة :)))))
المهم، محاكيكم “المفعوص” لم يحصل إلا على “ريالين” وذلك بعد سؤال أحد أولئك النسوة “الشريرات” مباشرة أن تعطيني من مال الله الذي أعطاها. ولما رأيت التهميش الذي جرى لي، قررت الخلود إلى زاوية من زوايا البيت، وندب حظي، والبكاء لنفسي على حالي. أدري، ستقولون “Drama Queen”، لكنكم لم تجربوا الشعور. أسمع أمي وقتها تبحث عنّي، وأخي كذلك، لكني لم أجب! ابن خالتي “صاحب ال ٥٠ ريال” عرف بمكاني، وعلى فوره توجه لأمي يقول لها: “خالة محمد جالس بالمستودع زعلان، ما أدري وش به؟!!” ، في نفسي أقول: ” ايييه، أكييد ما تدري وش بي، يحق لك يالمطنوخ”. المهم: بعد محاولات عديدة من أمي وأخي لإخراجي، أصابهم اليأس. لما علمت جدتي بالموضوع، جاءت للمستودع، دخلت كأنها تبحث عن شيء ما، وكأنها بالصدفة وجدتني أمامها!! سألتني عن حالي، وحاولت أن تعرف السبب، وبعدما ماطَلت و طال الاستجواب، أدخلت يدها في جيبها، وأخرجت الحلاوة التي لا تُقاوَم: حلاوة الصدق !! حدثتها حينها بكل شيء، ابتسمت رحمها الله ، وواستني “بالميسور واللي يسد الحاجة”، وبعدما تأكدت أني قد رضيت، أمسكت بيدي وقالت: “يا وليدي، العيد هنا!” ووضعت يدها على صدري..
لقد أدركت رحمها الله أن الفرح  بالعيد إنما يبلغ شغاف القلب، إذا أردنا نحن ذلك، وأن والسرور حق من حقوق الإنسان، لا يسلبه منه أحد، إلا نفسه، وأن المهجة لا تدخل الروح إلا إذا سمحنا لها بذلك. رحمها الله رحمة واسعة.

أعلم أنّي لم أكتب شيئاً جديداً، ولم آتي بفلسفة غريبة علينا، إنما هي تأملات، وتذكير لي، ولمن أراد أن يذّكر.

دمتم بِنيّاتٍ متجددة
🙂

6 thoughts on “مزعلك عيدك؟ جدد !!

  1. جميل جداً يا صديقي. أول مرة أقرأ لك شيء، استمتعت جداًالله يرحم جدتك الحكيمة، يحتاج الكثير إلى سماع هذا الكلام والتفكير فيه.كل عام وأنت بخير.. دمت بود.أخوك،مؤيد الدجاني

    إعجاب

  2. متأكده بأن الأجيال القادمة ستقول ماقلنا الآن .. اصبح شيء متوارث !! شيء سيء :/ السعادة في القلب ولا يختص بزمن معين او ظروف معينه ، هذا العيد قررتُ أن يكون جميلًا وحدث ما أردت رغم بعض المنغصات التي لا تخلو في حياة بني آدم ، اعلم أن ليس كل مانريده يحدث كلن الرضا بالقليل يجلب لنا الكثير من السعادة في النهاية : الزين مايكمل ، وبني آدم مايملي عينه غير التراب رحم الله جدتك وجمعك الله بها في الفردوس الأعلى ووالدينا وشكرًا

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.