اختياراتنا !

بدأت قبل شهرين مرحلة جديدة في حياتي. كنت طيلة السنوات الست الماضية كائناً مستهلكاً للموارد خلال دراستي في كلية الطب، والآن في سنة الامتياز، جاء الوقت لنبدأ حياة طويلة من العطاء والتضحيات، فعسى أن نكون من المُوفقين.

كنت بالأمس “يوم الخميس” مناوباً في المستشفى من أول ساعات الصباح الباكر، وعلى رواية البعض، كنت “مستلم” في المستشفى طيلة اليوم. لن أكذِبكُم، من ناحية: شعورٌ فيه نوعٌ من القهر. الجميع يستعد لإجازة اليوم الوطني، ويخطط للذهاب هنا وهناك، وأنت مشلول الحركة والتفكير فيما يخص خططهم وبرامجهم. لكن هذا فقط من زاوية ضيقة، يرى منها من أراد أن يرى التعاسة في تخصصه. من ناحيةٍ أخرى، لا أجمل من أن تكون هناك، لهم، ولا أروع من أن تتواجد في مكان يتعبك، لتسهر على راحتهم. هاتان زاويتان للاطلاع، يستطيع أحدنا أن يرى من أيّهما شاء.

أحد الزملاء بدأ يتحدث معي: “ياخي خربوا علي أبو الإجازة، لا أقدر أروح ولا أجي“. زميل آخر: “جميلة والله المناوبة يوم الخميس، يمديك ترتب جدولك وتخلص شغلات كثيرة لك، وتستمتع بنفس الوقت“. الزميلان، يعملان معي في نفس المستشفى، يقومان بنفس المهام، كلاهما كُتب عليه أن “يرابط” يوم الخميس !!

أي أن موضوع الاستمتاع بالشيء، أو التحلطم حوله، يكون دائماً في نطاق اختيارنا. إن أردنا أن نستمتع بما نفعل، وأن نجعل منه مهنةً نشتاق إليها إذا ابتعدنا عنها، فهذا اختيارنا. وإن أردنا -على النقيض- أن نكون من اللاطمين والنواحّين حيال هذا العمل، ونتصدر كل مجلس بالحديث عن مدى بشاعة ما نقوم به، وسوء المعاملة التي نتلقاها، والإجحاف الملحوظ لطبيب الامتياز، فهذا أيضاً اختيار آخر، من الممكن أن نقوم به !!
في بداية المناوبة صباح الأمس، وجدت نفسي -لا إراديّاً- أبتسم في وجه الجميع، أسلم على كل من أقابله، أدخل على المرضى بروح مبشِّرة، وأحاول أن أبعث الأمل في الصدور. عندما انتهيت من أكثر الأعمال قرابة منتصف النهار، وجدتني منشرح الصدر، راضيَ الخاطر، مستعدٌّ لعمل أضعاف ما قمت به. أحياناً: أنا -نفس الشخص- أمر بذات التجربة، وبنفس الحمل من الأعمال، لكنّي أكون شديد القلق، سريع الانفعال، أحاول أن أقوم بالحد الأدنى من العمل، وكفى!! عندما أتأمل الأسباب: ما الذي اختلف؟ ما هي الظروف التي كانت حاضرةً في المرة الأولى، وغابت في الثانية؟ بعد الإمعان والتمحيص، أصل إلى نفس النتيجة، الشيء الوحيد الذي تغير: أنا، وكيف أفكر ؟!!
بالتأكيد، أحيانا تشتد بعض الظروف لتجعل من اليوم أو العمل شيئاً يجلب التعاسة، لكن الاستسلام لهذه المؤثرات الخارجية يعتبر -بطبيعة الحال- فشلاً لنا، فالظروف الخارجيّة لا تأبه باللوم الذي نلقه علينا، وإن أكثرنا !!

بالأمس، اقترحت علي د. مريم العمر اقتراحاً رائعا في إحدى تغريداتها:


نعم، أحياناً يجب أن نسعى لأن نخلق الجو الذي نحب. أي أن الظروف وإن لم تكن مواتية، إلا أننا نستطيع أن نحيط أنفسنا ببعض الطقوس التي تساعدنا على أن نمضي قدماً. هي أشياء بسيطة نحبها، ونستمتع بوجودها، نوع من التغيير، قادرةٌ على إضفاء متعةٍ عجيبة لأعمالنا القاسية. بالفعل، “الطقوس البسيطة كفيلة بقلب موازين أيامنا“.


خلاصتي:
السعادة والتعاسة، جملة وتفصيلاً: هي خيارات، وقرارات حياة، لا ترغمنا الظروف على عيش أحدهما ونبذ الآخر. نعم تستطيع الظروف “الشريرة” أن تصعب مهمتنا في الاستمتاع بما نقوم به، لكن -حتماً- القرار في نهاية المطاف عائدٌ إلينا، وإلينا فقط.

دمتم متفائلين.
🙂

6 thoughts on “اختياراتنا !

  1. عندما اصبت بالسرطان قبل سنتين ونصف كان أميم أحد اختيارين : إما أن أنتظر الموت بكل ما تحمله هذه الجملة من معاني الوجوم والياس والتشاؤم ، أو أن أعيش ما بقي من حياتي ( طال أو قصر ) وأنا سعيدة .. قررت أن أختار الاختيار الثاني .. لا أملك أن أطيل في عمري أو اقصره ، ولكني أملك أن أتحكم ( بإذن الله) في سعادتي في هذه الفترة . جربت اشياء كثيرة لم أكن أفكر بتجريبها ، سعيت لتحقيق إنجازات على المستوى الشخصي .. الحياة أقصر من أن نضيعها في الهم والحزن الذي لا يمكننا تغيير أسبابه .شكرا محمد على هذه التدوينة الخفيفة الظريفة .

    إعجاب

  2. بعد هذا التعليق، وقبل كتابة الرد .. توجهت مباشرة لمدونتك .. ووجدت فيها الكثيييير ..ما شاء الله، أرفع القبعة لك، وأحترم الحكمة التي نضحت بها حروفك ..عسى الله أن يجعل الشفاء محطتك المستمرة، وأن يديم الصبر والتفاؤل عليك ..سعيد جداً بمرورك 🙂

    إعجاب

  3. محمد هل اطلعت على دراسات علم النفس الاجتماعي أو علم الاجتماع الحديث؟ يا سيدي إن مقالاتك فيها وعظ غير مباشر كثير و الوعظ حسب الدراسات المذكورة أعلاه لا يعول عليه في التغيير!! إلا بنسبة 2% إن لم تخني ذاكرتي الهرمةفياسيدي، و بما أني أعرفك و أعرف أن لديك رصيد قرائي يؤهلك لكتابة تغييرية معلوماتية غير وعظية، أطلب منك فهم النفس الإنسانية و تناقضاتها بشكل أعمق ليتسنى لنا الاستمتاع بقلمك الرشيق

    إعجاب

  4. أشكر لك عزيزي هذه اللفتة ..أكتب ما يجول بالخاطر بالأسلوب الذي يمشي به قلمي ..لا أحرص على التوجيه .. أكتب فقط ما أستنتجه وما تصل له خلايا عقلي البالية ..استقبال ما أكتبه على أنه \”وعظ غير مباشر\” هو موضوع أعتقد أنه يعتمد على طبيعة القارئ !! أو هكذا أظن !!أتمنى أن أكون على دراية بدواخل النفس البشرية أكثر لأكتب بطريقة تناسبها ..وسأسعى لذلك إن شاء الله ..شكرا لك على هذه اللفتة الجميلة ..سعدت بمرورك 🙂

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.