نقطة تحول

الحياةُ بكلِّ تأكيدٍ لا تدُوم، هذا ما تعلّمناه، وهذا ما نتعلّمه في كل يومٍ نعيشه. هي دوماً في تغيّر مستمر، وتحوّل دائم. وقوفُنا عكسَ هذا التغيير، هو بمثابة مصارعة موجةٍ عاليةٍ، لا تلبثُ إلّا أن تستهلك كل ذرّة قوّةٍ نمتلكُها، وتغرقنا في نهاية المطاف. لست في حديث عن فلسفة التغيير، فوائده وعيوبه، وكيفيّة التأقلم فيه، كلا .. أنا أكتب الآن، ولا أدري إلى أين أنتهي ، فتحمّلوا تشتت أفكاري.
في بداية سنواتنا، الطريق إلى حدٍّ كبير: واضحُ المعالِم. متوقّع منك “كفردٍ طبيعيّ” منذ أن تولد: أن تبدأ في الجلوس إذا بلغت الشهر السادس، وأن تقف على قدميك في الشهر التاسع، وأن تبدأ أولى خطواتك عندما تتم العام من عمرك. وأن يبدأ صراخك ودويّك اللّامَفهُوم يتشكل، ليُعطيَ كلماتٍ تجعل الآذان تُصغي، والابتسامات تتَّسع لك ولخُزعبَلاتِك. بعد ذلك، من المفترض أن تبدأ في توسيع ثقافتك الضحلة بالتحاقك بالمرحلة الابتدائية. يجب أن تتخطى جميع المراحل “وإن عكّيت لفترة” حتى تصل إلى المرحلة الثانوية، وتتخرج منها. في هذه اللحظة فقط: أنت في مفترق طرق جديد وغريب المعالم. يجب أن تختار تخصصك، استناداً على ما تحمله من اهتمامات، معلومات، إدراك، ومشاعر. لكنّها مرحلة سهلة ممتنعة، تزول شدّتها خلال فترة وجيزة. تلتحق بعدها بالجامعة، تعيش فيها حياة أكاديمية “مقيدة” ، ولا أكاديميّة “مجنونة قدر المستطاع، والمتاح”، ثم تتخرج بما كتبه الله لك من معدل تراكمي، يكون صاحبك من هذه اللحظة، حتى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا. أنت -عزيزي القارئ- حتى هذه اللحظة تسير في طريق ميسّر، ودرب رُسم لك، أو رُسم لعامة الناس، من المفترض على “أغلبهم” أن يسلكوه، وإن تعددت التفرعات لهذا الطريق، إلا أن النهاية واحدة: بداية الحياة الحقيقية ، وأول نقاط التحول الجديّة في حياتك. النقطة التي تنتقل فيها من كونك ” عربة مقطورة ” -إن صحّ التعبير”، إلى قمرة القيادة، التي لا بد لها في يوم ما، أن تقود ما شاء الله لها أن تقود. أنت قبل هذه اللحظة، لا تواجه الكثير من الضغوطات في اتخاذ القرار، واجباتك إلى حد كبير واضحة، ومهامك معلومة ومحدودة. لكن بمجرّد أن تتعدى هذه النقطة إلى الجانب الآخر من “الحياة”، فأنت تبدأ أول خطواتك في عالم “الشك” وعدم اليقين. الآن أنت مسؤول عن اتخاذ قراراتك، تحديد توجهاتك، رسم خارطة لطريقك المقبل، وتحديد المعالم بشكل دقيق قدر الإمكان.


هذا ليس شيئاً سيئاً أبداً، بالعكس، هنا تبدأ المغامرة، وهنا يكمن التحدي، وهنا نبدأ في تحقيق أحلام حِكناها في طفولتنا. لكن، هل هو شيء سهل؟ هل نحتاج إلى أن نكون في تامة الاستعداد له؟ أم لنا أن نترك الحياة تمشي كما هي، وننظر في نهاية المطاف كيف نبلي ؟
بعد أن نتهي من حياتنا الأكاديميّة، ونبدأ في التجهيز لحياتنا العملية، نجد أنفسنا أمام مفترق طرق محيّر. أيّاً كان التخصص أو مجال العمل، فإن الخيارات كثيرة ومتشتتة؛ “أشتغل وإلا أكملّ دراسات عليا” ، “وين أقدّم؟” ، “أي عرض أفضل؟” ، “أتزوج وإلا توّي؟”…… أسئلة كثيرة، تحتاج منّا إلى دراية عميقة بذواتنا: ماذا نريد؟ ماذا نحب؟ ومالذي نحسِنُ صُنعه؟

كل العالم الآن يتحدث عن “رسالة” و “هدف” و “خطة. تعبيرات مختلفة، تحاول جاهدة في أن تحدد لنا معالم الطريق، وتنير لنا الدرب، وتزيل عن أعيننا ضبابة الجهل بذواتنا.
هل يمتلك الواحد منا “رسالة لحياته” ؟ هل نمضي ، أو هل أمضينا بعض الوقت مع أنفسنا في خلوة، لنسأل أنفسنا: ماذا نريد؟ وكيف نستطيع أن نحققه ؟

أمرّ حاليّاً ومن معي من زملاء التخصص في مرحلة حرجة، ملئية بالالتواءات، تحتاج في كل زاوية من زاواياها إلى اتخاذ قرار حازم. الحمد لله، أوشكنا أن نتجاوزها، لكنّ مرورنا فيها كان مؤلماً لمن لم يكن في دراية عن “نفسه”، ووعي عن “ذاته”. 
يصرف الناجحون الكثيير من الوقت -فقط- للتعرف على ذواتهم، ومراجعة دائمةٍ ومستمرةٍ لما عَمِلوه، وما سيعملونه. يفتقد الكثير منّا إلى مثل هذه الأوقات، وهذه المهارات. نظنّ أن الحياة “خبط عشواء”، وننسى أنّنا أُمِرنا أن نعمل ونخطِّط، وأن “الدنيا تمشي”، وهي في الواقع كذلك، لكنّها تمشي لتترك من يتخلف عنها: مكانه يتخبط !!

التخرج من الكلية والبحث عن عمل، أو خطة مستقبلية، ليست هي آخر نقاط التحول، كلاّ، هي أولُها، ومن المحتمل أن تكون: أهونهَا. تأتي الحياة في المستقبل بالكثير من الخيارات، ونتفاجأُ بما تحمله أقدار ربّنا في طيّاتها، وتستمر الخيارات، والمتاهات تأتي، واحدة تلوَ الأخرى، فهل نملك ما نحتاجه من وعي لنتجاوزها ؟
تدوينة مليئة بالأسئلة، لا تحمل أي توجيهات ملمّة، ربّما لأنها كتبت في فجر تحوّل !!
اعذروا تشتت حروفي، أعود بإذن الله إليكم بأحاديث أكثر ترتيباً، وأكبر فائدة.


دمتم عارفين
 🙂

One thought on “نقطة تحول

  1. تعيش = تتغير 🙂 طبعاً تقدر تنزل رأسك لرياح التغييرأو تقدر تقاومها و تكابر لحد ما تتعب من المقاومة.دمت سالم

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.