حكمة !

نعيش كل يومٍ في هذه الحياة، لنتعلم شيئاً جديداً، ونكتسب المزيد من الخبرة، التي نُشكّل بها طريقة تفكيرنا الخاص، ونسنخلصُ منها: حِكمةَ الحياة. يتفاوت الناس -بطبيعة الحال- في “كمية” و “جودة” الحكمة التي يمتلكونها. فليس بشرط أنّ من عاش أكثر، وجرب أكثر، أن يكونَ حكيماً “أكثر”. وليس شرطاً أيضاً أنّ من يتمتّع بمتسوى ذكاءٍ أعلى، سيزداد حكمة في الحياة. هي حتماً مزيج بين الأولى والثانية، وأمورٍ أخرى أيضاً.
تأسرني “الحكمة” ككلمة، ويأسرني معناها، ويتعلق قلبي بمن يمتلك الحكمة ويعيشها، ويربّي الناس عليها. هي ضالتي، كما هي ضالة المؤمنين. تتلألأُ عينايَ إعجاباً لرجل يحكي “حكمة“، ويفعل “حكمة“، ويصمت “حكمة“. أسأل نفسي دائماً وأبداً عندما أمرُّ بأيِّ بموقف من مواقف الحياة اليومية: “هل هذا هو التصرف الحكيم ؟!” ، “هل كان ردي حكيماً ؟!”، “هل كان عليَّ أن أكون أكثر حكمةً في تعاملي معه/ـها ؟!”. موضوع يشغلني منذ الأزل، ولا يزال يشغلني، وسيظل. يدورُ بي نفسُ التفكير كل مرة أمر على رجل “حكيم”، وأرى موقفاً “حكيماً”، وأيضاً عندما أصادف شخصاً يفتقد إلى أبسط أبجديات “الحكمة” ، أو سمّوه “أحمقاً” إن شئتم !!

لعلّي في يومٍ أكتب بتفصيل أكثر عن الحكمة، منابعها، طرقها، وقصص الحكماءِ وأخبارهم. بل لعلّي أيضاً أن أكتب في يومٍ عن “كيف أصبحوا حكماء ؟!!” ، إن وجدتُ لذلك سبيلا !

 مالذي شدّني للكتابة عنها ؟! حسناً، في أول أيام العيد، كنت أقضي الإجازة بين أهلي و”عزوتي”، وكما هو الحال في ديارنا، يكون العيد وقتاً للاحتفال بالمأدبات وما يسّر الله لنا من “المفاطيح”. ولشدة الضغط والازدحام في هذه الأيام على المطابخ والمطاعم التي تتكفل بهذه المأدبات، كان على العم “أبي راكان” أن يأتي بـصحون العشاء بنفسه. أبو راكان هو مالك لأحد مطابخ المفاطيح المميزة في مديتنا الصغيرة، شخص بسيط إلى أبعد الحدود. متواضعُ الهيئة، رث الثياب، يعتَلي رأسَه نفس الشماغ مُذ أن عرفتُه، وأحياناً ومع عجلته وزحمة العمل، يغادر الشماغ رأسه، لينام على كتفه بشكل عشوائي وبسيط. رجلٌ -وإن لم يكن وسيم المظهر- إلا أنّه رائعُ الابتسامة، خفيفُ الروح والظلّ، يصل بسيارة المطعم ليقوم بإنزال أطباق الأكل، فيملأ الناس حماساً وسعادةً بممازحاته ومعيادياته الظريفة. المهم: عندما أوصل لنا أبو راكان “المقسوم” من الأكل، توجهت إليه لأعطِيَه الحساب الذي يستحقه. يرفضُ بتاتاً “الإكرامية” و “العيدية” بأسلوب ظريف لطيف، يتواكب مع شخصيته البسيطة. قبل أن يرحل، أمسك بيدي ، وأراد أن ينير في عقلي “حكمة” تعلّمها من مسيرته في حياته. سألني مباشرة بعد أن قدمت له المبلغ المطلوب: “يا وليدي: وش أغلى شي نشتغل علشانه ونكد ونكدح علشانه في هالحياة ؟”، يراقبُ صمتي، ثم يردف: “والله يا وليدي إن هالمال، وإن كثُر، ما يحمل لك اللي تتوقعه من السعادة”. ويصمت مجددا.
يبدأ في شرح حكمته بحروف بسيطة، ولغة أبسط، لكنّ فحواها يحمل حكمةً رائعةً أشدَّ الروعة، جميلةً أشدَّ الجمال. كان يقول: “الحمد لله، لا يُوجد ما أتمنّاه في هذه الحياة إلا وأستطيع أن أبتاعه بما أمتلكه من مال، الأمور ميسورة، والنفس في بحبوحة ولله الحمد. ولكن يا بنيّ، مالُك -وإن كَثُر- فهو لا يجلب لك السعادة بذاته. المال، كما هو خير، هو شرٌّ أيضاً. هو سبب للحسد والتناغص والبغضاء، هو ثقل على النفس، ومسؤولية على المسلم، ونعمة عليها حسابٌ شديدٌ في يوم العرض“. أسمع كلامه، وأنتظر مربط الحكمة. يُكمل: “والله يا بنيّ، لم أجد شيئاً أكثر جلباً للسعادة من أن تنام في كلِّ ليلة، وأنت سليم الخاطر، طيّبُ النفس، ليس في صدرك على أحدٍ شيءٌ. يا بني، لا أنام في كل ليلةٍ إلّا أدعو الله أن يزيلَ ما في قلبيَ من غلٍّ على كل نفس، وأن يسامح كل من أخطأَ في يومٍ عليّ، أو تجاوز وتعدى على حقٍّ من حقوقي، وبعدها -يا بنّي- أنام نومةً يتمنّاها نصف البشر“.

أنظر إليه، وأرى على وجهه ابتسامة، وفي عينيه صدقاً وسلامة، وعلى محيّاه حكمةً نحتتها السنون والمواقف.
هنيئاً للعم هذه الحكمة. وأسأل الله أن يرزقني وإياكم الحكمة في كل أمورنا وأحوالنا. لي عودة بإذن الله -وإن طال الانتظار- بحديث أطول، وأعمق عن الحكمة.

دمتم حُكماء 🙂

One thought on “حكمة !

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.