هل أعرفني ؟!


أعيش في هذه الأيام فترة فراغ بسيط، عدتُ فيه إلى أيام ما قبل ازدحام الجدول والارتباطات الكثيرة. ازداد دخولي إلى “النت” بشكل ملحوظ. وخلال “لفّتي” اليومية، وقعتُ على الموقع القديم المعروف: ask.fm ، المتخصص في الأسئلة. فِكرَةُ الموقع ببساطة: تقوم بإنشاءِ حسابٍ خاضٍّ بك، ويبدأ الناس في توجيه الأسئلة إليك، وأنت تمتلك الحرية الكاملة في الإجابة عن الأسئلة التي تريد، وتجاهل الباقي، ومشاركة هذه الأجوبة مع الأصدقاء عبر الموقع، وشبكات التواصل الاجتماعية المختلفة. يوفر الموقع أيضاً خِيَار: استقبال سؤال عشوائي، تم توليده وتأليفه من قبل إدارة الموقع ، في حالة نفاد أسئلة المعجبين بك :). هي أسئلة عشوائية مختلفة، عن كل شيء، عن حياتك، طموحاتك، يومياتك، ذكرياتك، قناعاتك، ماذا تحب، ماذا تكره، وكيف تتفاعل. أسئلة أخرى عن أرائك في بعض الأمور، وطريقة تعاملك مع بعض المواقف. هي أسئلة متعددة ومختلفة من كل حدب وصوب، لكنّها بشكل ما، تجعل إجابتك عليها: اكتشافاً أكثر للذات، وهنا مربط الفرس.

أمضيت قرابة نصف الساعة وأنا أصُولُ وأجولُ بين الأسئِلة، وأُجِيبُ على كلِّ سؤالٍ بتفكيرٍ سريعٍ مع نفسي. أجدُ الإِجابة لبعض الأسئلة مباشرة، وأخرى أقفُ أمامها بتأمُّلٍ، وتعجُّب، لأنِّي لا أعرف لها إجابةً واضحة !

ماذا يعني أنت تعرف “الأجوبة” عن نفسك ؟
يعني هذا أنك تعرف ذاتك أكثر. يعني أنك في اندماج أكثر مع شخصيتك. يعني أنك تمتلك قدراً أكبر من الثقة. يعني أنك قادر على التغيير إن أردت، فأنت تعرف “أين أنت“، و “إلى أين يجب أن تتجه“، وإلا كيف يتغير الإنسان إلى حال جديدة، دون أن يعرف حاله التي كان عليها قبل أن يتغير ؟!!
أن تعرف ذاتك، يعني أنك غريبٌ عنها، وهذا صحيح. وكيف لإنسان أن يعيشَ بسعادة مع شخص غريبٍ لا يعرفه ؟!! وكلّما تعمَّقَت معرفتُكَ بها، وازداد اندماجُك معها، كلّما ازددت إنتاجيةً، وإبداعاً، وسعادة.

معرفة الذات، والشخصيات، من أساسيات العلوم التي يبحثها علم النفس، وعلوم تطوير الذات، والبرمجة اللغوية العصبية، وما إلى ذلك. كل هذه تتمحور حول “أن تعرف ذاتك أكثر“، وأن تنطلق بعدها إلى مرحلة أكثرَ تقدُّماً. لا يستطيع الإنسان –دون معرفة دقيقة لنفسه وخباياها–  أن يتحكم فيها، وأن يكون مسؤولاً عنها. وإن لم يكن الإنسان مسؤولاً عن نفسه، ومعنيّاً بقيادتها واتخاذ كافة قراراتها، وتحمُّلِ المسؤوليَّةِ الكاملةِ لهذه القرارات، وما يتبعُها من نتائِج، فلن يَبرَحَ مكانَه، ولن يكون إنساناً فعّالاً في حياته ” كما في العادة الأولى من العادات السبع للناس الأكثر فعالية لـ ستيفن كوفي“. نعم، مِن الممكن أن تَعيش في هذه الحياة، وتحقّقَ نجاحاً مُبهِراً في أحد المجالات، ومن الممكن أيضاً أن تكون من أنجح الناس في هذا المجال، لكن هذا لا يجعلك -بالضرورة- إنساناً فعّالاً في بقيّةِ مجالاتِ حياتك، التي لا بدّ أن تحقِّقَ فيها مِقداراً مطلوباً من التقدم والإنجاز. ومن المُمكن أيضاً أن تكون إنجازاتُك العظيمة في هذا المجال، ليست ما كنتَ تبحث عنه، وليست مصدراً لسعادتك التي تنشُدُها.
* لماذا إذا لا نعرف ذواتنا ؟!! لماذا نعاني كأفرادٍ “خصوصاً في مجتمعاتِنا العربية” من قلّة المعرفة لذواتنا ؟!!
هي قائمة طويلة من الأسباب والعِلَل، وهذا مكانٌ لأبحاثٍ مطولةٍ في علم النفس. لكن، لعلَّ من أبرز هذه الأسباب، التربية التي يعيشها البعض “وليس الكل” في عالمنا العربي، والتي تتمثل في التوبيخ المفرط، والتوجيه المستمر للقيام بالواجبات على طريقة معينة. وعلى النقيض أيضاً، التربيةُ القائمةُ على الدلال الزائد، والثناء المفرط، دون إعطاء الفرصة للتعامل مع الأخطاء والمواقف اليوميّة بانتقادٍ موضوعيّ. التعرّفُ على الذات يبتدِئُ في مراحل الحياة الأولى، والتربيةُ المتسَلِّطة، والتوبيخية، أو التربية المفرطة في العناية والتوجيه، قد تشلُّنا عن الاندماج مع ذواتنا، والتعرُّفِ أكثر على مكامِنِ القوّةِ والضعفِ فيها.

* ماذا نحتاج ؟!!
الاستثمار في الذات، هو مشروع ناجحٌ كليّاً على الأمد الطويل. نحتاج أن نستَقطِع بعض الوقت للجلوس مع ذواتنا، لوَحدِنا، نحنُ وهي، فقَط. نتوقّفَ لِنَنظُر في إيجابيّاتِنا وسلبيّاتِنا، ماضِينا، المواقف والتجاربِ التي خُضناها، وكيف تجاوزناها. نُترجِمُها، ونحاولُ أن نَفهَمهَا، نطرحُ الأسئلةَ “علينا” ونجيبَ عليها. نتقبّل ذواتِنا كما هي، دون خوف أو توتّر، بإيجابيّاتها و سلبيّاتِها ، فنسعى إلى تطوير الأولى، وتحسين الثانية.
الناس، بمثابة المرآة لنا، وشخصيّاتنا تنعكس في ردود أفعالهم وتعاملاتهم معنا، لذلك من الجيّد أن نأخذ بالاعتبار ما يقوله الآخرون عنّا. كلامهُم حتماً لا يعني أن يكون صواباً في كل جوانِبه، فآراء الناس فينا عرضة لمزلات التواصل البشري، لكن هي حتماً وسيلةٌ من وسائلِ معرفةِ الذات. وفي حالة أنّنا افتقدنا لمعرفة ذواتنا، أو محاولة معرفتها، فإن رُدودَ أفعالِنا تجاه الناس وآرائِهم فينا لن تَكون إلا عِبارةً عن رُدودِ أفعالٍ مباشرة، على هيئة تَبرِيرٍ و دِفاعٍ عن الذات، وهذا مالا يجب فِعله !

* الجدير بالذكر: 

معرفةُ ذواتِنا هي نتيجةٌ لمرحلةٍ طويلةٍ من البحثِ والتحرّي، والجلساتِ، والقراءاتِ، والكِتابات. مُحصِّلتُها: الاندماج التام الذي يُعِينُنَا على تحقيق أهدافِنا، ويَجلِبُ لنا السَّعادة. وهذه النهاية، هي كل ما يتمنّاه كل شخصٍ منّا. فلا داعيَ إذاً إلى الاستعجال في الوصول إليها، أو الإسراع في محاولة تحقيقها. كلّما “تخمّرت“، كلّما زاد الاندماج حلاوة !
لا أريد أن أطيل. ما شدّني، أنّنا نحسُّ أحياناً بأننا نعرفُ أنفُسَنا، ونعرفُ ما نريد، وتفاجِئٌنا الحياةٌ بمواقفِها التي لا تَنفَكُّ تُخبِرُنا أنّنا لا نزال: من الجاهلين. فإلى متى ننتظر ؟!! فالتخطيط لِحياتِنا، وتَحديدُ أهدافِنا لا يكونُ إلّا بمعرفةٍ جيّدةٍ لذواتِنا، بعد إمعانِ النَّظرِ في دواخِلِنا، والاندِماجِ مع أنفُسِنا، حتى تزول الغربة بيننا، ونكون: نحن، كما يجبُ أن نكون.

خاطرة مرّت في بالي بينما كنت أتصفّح هذا الموقع . اعذروا إطالتي.

دمتم عارفين لذواتكم 
🙂

2 thoughts on “هل أعرفني ؟!

  1. أعتقد بأن الدعوة الأنسب يا أخي هي, أرجو أن تتعرفوا على أنفسكم قريبا .أوافقك في كل ماقلته عن موقع الآسكتغيّرت حياتي بشكل كبير بعد دخولي عالم الآسكتعرفت بشكل أكبر على نفسي, على الرغم من أنني مازلت في بداية طريقيلكننا نحتاج للاسئلة التي تجبرنا على مواجهة أنفسنا وانتزاع آرائنا الخاصة في البداية على الاقل ستكون تجربة صعبة ومتعبة للعقل في بداياتها, اصة لمن لم يعتد على الثرثرة ومواجهة نفسهلكنها ممتعة ولذيذة كل سؤال أعجز عن الإجابة عنه, يدفعني للتفكير بإجابات متنوعة له ليل نهار حتى أنني قد أحلم بالإجابة على سؤال أتعبني لكنني وجدت هدفي ووجدت الوسيلة الأمثل لمساعدتي على التعرف على نفسي أكثروعلى مساعدة الآخرين في نفس الوقت أحببت مدونتك يا محمد شكرا جزيلا لك

    إعجاب

  2. أهلاً بدور ..أتمنّى أن نصل لمعرفة ذواتنا حتى أعماقها .. يا رب :)فعلاً، عشت تجربة قريبة مع هذا الموقع ..الفكرة: نحتاج أن نمضي الكثير مع أنفسنا لنتعرف عليها أكثر ، تماماً كما نفعل مع الصداقات الجديدة التي نريد أن نتعرف عليها .. ذواتنا لها حق أكبر علينا .. ويجب أن نقوم بحقها، لنصل إلى طموحنا..سعيد بمرورك، وسعيد أكثر بتعليقك .. شكراً لك.

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.