طول الأمل

مرحباً من جديد. مضى وقت طويلٌ لم أكتب فيه. فاعذروا حروفي الصدِئة.
يأتي الوصف بـ “طول الأمل” في محل ذمٍّ إذا ما نظرنا للدنيا من نظرة العبد الزاهد. يتخذه بعض الدعاة وأصحاب الرقائق محلّاً لتذكير الناس بقِصَر الدنيا وفُجَاءَة الموت إذا ما أفرط الإنسان في انشغاله بالدنيا ونسي نصيبه من الآخرة. لست في جدال الآن مع استخدامها وسيلة للدعوة أو تذكير للنّاس، فبطبيعة الحال، أي انشغال بالدنيا ونسيان للآخرة هو مذموم دون أدنى شك. أنا الآن في حديثٍ عن “طول الأمل”، والسعي الدائم لتحقيق أهدافنا المتجددة، والمحاولة المستمرة لإحداث فرق في هذا العالم، في حياتنا، وحياة الناس من حولنا. هل كل هذا شيء مذموم؟!
هل يجب على الإنسان الاستمرار دون توقف؟! هل يسعى في عملٍ وبحثٍ وإنجازٍ إلى أن يأخذ الله أمانته؟ أم عليه أن يجتهد في العمل ووضع الخطط والأهداف إلى عمرٍ معين “لنقل حتى الـ 50 أو 60 من العمر” وبعد ذلك، فيجب أن يسلم مصيره للحياة، ويعيش آخر سنين العمر بشكل “تفاعلي”، لا اختيار له فيه!

صياغة السؤال بهذا الشكل -من المؤكد- تجعل الإجابة سهلة، فالتوسط والاعتدال في الأمور كلها هو الحل. المحكّ والعبرة عندما نضع أمورنا للتخطيط والواقع.
ما الذي يحفزني لطرح هذه الأسئلة وكتابة هذه التدوينة؟!
قبل فترة، تشرفت بلقاء شخص قدير في مجال عملي، البروفيسور ألبيرتو بينيا. اختلاطي المباشر به، واطّلاعي على طريقة عمله وتفكيره، كان محفزاً كبيراً للتفكير والتأمل. كان وجودي معه مُلهماً “وإن لم يقصد في أفعاله أن يكون مُلهماً!
د. بينيا طبيب أمريكي “من أصل مكسيكي” مختص بجراحة الأطفال، ومهتم تحديداً بالتشوهات الخلقية في القولون والمستقيم. هو مرجعٌ في مجاله، الأول في تخصصه. أبحاثه، عملياته، ونتائجه هي الأشهر عالميّاً. قدّم للتخصص وللمجتمع الطبي الكثير من الإنجازات. عملياتٌ ونظرياتٌ باسمه، طرائِق جراحية وطبيّة أبدعها وأوجدها، ندين له بالكثير.
حظيت بأن أكون منظماً لمؤتمر طبي/جراحي، استضفنا فيه د. بينيا وزوجته “الجراحة في نفس المجال”. أُقيم المؤتمر في الرياض نهاية العام المنصرم. عمره دون الثمانين بعام أو عامين. شيخ مسن، هادئ، مُنصتٌ جيد، لا يكاد يتحدث، وإن فعل، فلكل كلمة معنى وقيمة.

ذُهِلت بما رأيته من احترافية وتفانٍ في العمل -لرجل في قدره وعلمه-. لا يزال في هذه العمر، يعمل بشكل كامل، يجري العمليات الجراحية، يُدرّب، يُعلِّم، يُشرِف ويدير المركز المختص بجراحة الأطفال في مستشفى سينسيناتي للأطفال بولاية أوهايو. هذا المركز الذي يشار له بالبنان عالميّاً، أسسه من الصفر، ووصل به إلى المستوى الرائع بعد سنين من الإشراف والإدارة. في نفس الوقت، يعيش كعاشق شاب مع زوجته التي تشاركه الحلم والتخصص والمشوار.
ما رأيته منه وما تعلمته من دروس ليست غايتي في هذه التدوينة. الحبكة هنا:

في نهاية المؤتمر، وبينما كنّا نتجاذب أطراف الحديث معه ومع زوجته، قررا أن يشاركانا بقرار اتخذاه في الآونة الأخيرة. قرر الطبيبان الانتقال من مدينتهم الطبية، من المركز المتخصص وذي الباعِ الطويل في تشوهات القولون والمستقيم، من المركز الذي أنشأه من الصفر، إلى مستشفى آخر، ليبدأ بإنشاء البناء نفسه من جديد، متفادياً كل الأخطاء، مستفيداً من كل التجارب التي مر بها. ها هو الآن، دون الثمانين بقليل، كلّ وتعب، لم يعد كما كان في شبابه، لكنّه يقرر بأن يمضي في مشوارٍ جديد، بعزيمة متّقدة، وطاقةٍ لا حدود لها. هو يظن أنه قدّم لمكانه الأول كل ما يستطيع أن يقدمه، يظن كذلك أنه فقد الكثير من “الروحانية” التي حاول أن يبني عمله عليها، ويريد الآن أن يبدأ المشوار من جديد.

ما دار في خلدي وقتها: ألم يأنِ لك أن تستريح؟ ولم يدُم في خلدي للأبد، فقد زلّ لساني بهذا السؤال “الفظّ” من غير قصد. ابتسم د. بينيا، وأجاب: “ كم بقي لي في حياتي؟ لا أعلم! لكنّي سأكون سعيداً إن عشت عشر أعوام أخرى لأرى إنجازاً جديداً، وأحقق حلماً آخر. تنتهي حياتك، وتموت روحك، في اللحظة التي تتخلي فيها عن نفسك، وتنسى أهدافك، بل وعندما تعيش بلا هدف تسعى لتحقيقه“.

نعم، هذا هو “موت الأحياء“.
لا أظن طول الأمل” بجانبه السلبي ينطبق هنا. وكما جاء في الخبر: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً).
ينتظر الشابّ منا أن يدخل الجامعة، ويعلِّق آماله ونهاية أهدافه في تخرجه. وعندما يتخرج، يُصدم بأنّ للحياة بقيّة، فيعمل ويكدح، ويعلق الأمل والأهداف حتى تأتي لحظة “التقاعد”، التي بها تنتهي حياتنا الفعلية! الحياة لا تنتهي حتى نموت، ومن المحزن أن يموت أحدنا وهو حيٌّ يتنفس. نعم، لا يجب أن تستمر الحياة كدحاً وتعباً دائما، من الممكن أن ينعم أحدنا بوقت أكثر للهدوء والاسترخاء، لكن يجب أن يكون ذلك جزء من الهدف، لا مرحلة ننتهي إليها.
أطلت عليكم. 

دمتم بود 
🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.