عيش الكفاف


لكي لا أخسرك في بداية التدوينة، سأبدأ بكلام منطقي وواقعي بعيد عن المثاليّات، لأنّي -كمعظم الناس- سئمتُ من المثاليات المصطنعة.
وفرة المال، تجلب السعادة، وكفى!
لا نعيش في عالمٍ أفلاطونيّ، نخادع فيه أنفسنا، ونكذب فيه على أبنائنا. لا حاجة للكليشات “المال شيءٌ سيء” أو “الفلوس تجلب التعاسة”. لا داعيَ للنفاق والمعايير المزدوجة. لنقلها بصراحة ووضوح: وفرة المال تجلب السعادة.


صاحب المال الوافر يستطيع أن يتحرك في حياته بأريحيّة، يستطيع أن يشتري، يسكن، يسافر، يمتّع نفسهُ وعائلته. هو كذلك -إن كان ذا أصل طيب- يستطيع الإنفاق على المحتاج والمسكين والمعسر. يستطيع صاحب المال الوافر أن ينهض بدينه ووطنه. لنا في عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- خير مثال. المال قوة دينيّة وسياسيّةٌ واقتصاديّة.
فلا داعيَ لذمِّ شيء طيب. الفلوس زينة 🙂


لكن !!! ولكنٌ كبرى !!!!
كم تحتاج من المال لتعيش؟ كم من “الفلوس” يكفيك لترضى؟ 
لأعيد صياغة السؤال بطريقة أفضل:
إلى أي درجة يجب أن تعمل وتكدح، لتقول حصلت على “الكفاف”، ولا حاجة للمزيد من العمل المضني؟
سؤال ليس بالسهل، وأجزم بأن الناس متباينون في الإجابة عنه، والعمل بأجوبتهم!

لأجيب على السؤال من وجهة نظر شخصية، سأشارككم قصة طبيب أكاديميّ، كان من المؤثرين عليّ خلال دراستي في كلية الطب. فاسمعوا مني ما حكاه لنا خلال جلسة هادئة، على بساطٍ أحمديّ ..

——-
نشأ هذا الطبيب في أحد المدن الصغيرة في منطقة نجد، وهاجر للرياض وحيداً للدراسة في جامعة الملك سعود. فتًى من القرية في معمعات العاصمة. تخرج من الجامعة، تزوج، واختار أن يكمل مشواره كمعيد في كلية الطب بجامعة الملك سعود في أحد التخصصات الجراحية. يسر الله له القبول في الزمالة في كندا. حزم حقائبه، وسافر للغربة مع زوجته، محمّلاً بطموحٍ وخوفٍ وترقّب. راتبُ الطبيبِ المبتعث للخارج راتبٌ ميسور، وبالكاد يكفي للعيش في بعض المدن شديدة الغلاء. رزقه الله بابن وابنة. ومضى في برنامج الزمالة، ثم التحق بالتخصص الدقيق، ومضت السنون. بعد ثمانِ سنوات عِجاف، عاد للأوطان، محمّلاً بالديون، مثقلاً بالهموم، لا يملك الكفاف. راتب الاستشاري الأكاديمي -في تلك الأيام- كان ميسوراً كذلك. ها هوَ ذا، عائد من الغربة، بصحبة زوجةٍ وابنٍ وابنة، لا يملك مسكناً ولا سيارة. هو من مجتمع صغير من مدينة متواضعة، يراهُ من حوله كـ “طبيب استشاري مرموق” ومن المفترض أن يكون طيب الحال، وسخيَّ اليد. عائلته الصغيرة صبرت على الغربة طيلة هذه السنين، وتتوقع الآن أن تنعم برغدٍ من العيش. مطلوب منه الكثير: بيت واسع، سيارة فارهة، سائق، خادمة، مدارس عالمية تليق بمستواه الاجتماعي، مساهمةُ في عائلته الكبيرة، وأشياء أخرى كثيرة.

العودة من الغربة بعد طول غياب، قلةُ ذات اليد، وكثرةُ الديون اضطرت أستاذي للبحث عن مصدرِ دخلٍ إضافيّ. قرّر العمل في أحد المستشفيات الخاصة بدوام جزئيّ “أي أنه يبدأ العمل فيه بعد ساعات العمل الرسمية – بعد الخامسة مساءً”. كبداية، عمل بواقع عيادتين في الأسبوع، مع إجراء العمليات الجراحية في أيام أخرى. 
بعد شهرين من العمل، حصل على دخل شهري إضافيّ يقارب ال 15 ألف ريال.
أمممم، أي أنّهُ بزيادة ايام العمل، يزداد الدخل، وبزيادة الدراهم، تزول كل المشاكل“، أو هكذا ظن !

استمر في زيادة أيام العمل في المستشفى الخاص، حتى وصل في نهاية المطاف للعمل 6 أيام في الأسبوع. بطبيعة الحال، ازداد الدخل الإضافي لما يزيد عن الـ 100 ألف شهرياً “إضافة إلى راتبه الأساسي في الجامعة”. ازدانت الحياة في نظره، وتيسرت الأمور، وانشرح الخاطر، لأن “وفرة المال، تجلب السعادة، وكفى!“. خلال تلك الفترة، كان يبدأ عمله الساعة الثامنة صباحاً في المستشفى الجامعي. وفي تمام الساعة الخامسة يكون قد وصل لمقر عمله في المستشفى الخاص. يقضي باقي يومه بين عيادةٍ وعملياتٍ واستشارات. يعود لمنزلهِ قرابةَ الساعة الحادية عشرة مساء. الأطفال قد ناموا، وهو قد أنهكهُ التعب. يبحثُ عن لقمةٍ سريعة، وسريرٍ مريح. يضطر أن يستسقظَ باكراً ليوصل أطفاله للمدرسة “هذا هو الوقت الوحيد الذي يقضيه مع أولاده بالإضافة إلى يوم واحد في إجازة نهاية الأسبوع”. كان الثمن الذي يدفعه عالياً ليصل لما يراه “عيش الكفاف“، لكنّه استمر على هذه الحال لسنيين، حتى أن كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. تدهورت صحة والِده بشكل مفاجئ، وحال مرضه دون الاستمتاع بوجوده ما دام حيّاً. غاب عن أهله لثمانِ سنوات، ثم انشغل بـ “جمع القرش” لخمس سنين أخرى، شاخ والداه، وأعياهما التعب، وهو في غربة، وإن عاشوا في وطنٍ واحد. توقف لوهلة، وقام بتقييم الحال بالسؤال المعتاد: “هل أنا سعيد؟”. وكانت الإجابة واضحة: “طبعاً، لا!”.

قام بإلغاء عقده في المستشفى الخاص، وانتقل للعمل في مستشفى آخر بواقع يوم ونصف في الأسبوع. تدنى دخله إلى أقل من الثلث، ضحّى ببعض الرفاهيات، لكنّه بدأ يعيش من جديد. ازدانت الحياة في عينيه، بدأ يستمتع بصحبة زوجته وأطفاله، أمضى ما تبقى من حياة والده يرعاه، واستأنس بأمه واستأنست به، وهنا أحسّ بالسعادة.
——-

يقول: إن أجمل سنين حياتي عندما بدأت العيش على “الكفاف”، وقنعت بما أستطيع أن أجنيه، بلا خسارة في الصحة، بلا تضحيات، بلا جنون !

كبشر، سنستمر في البحث عن ذلك “الريال” الزائد حتى يأتي، ولن نرضى حتى نصل للـ “الريال” الذي يأتي بعده. لو أُعطيَ أحدنا ضعف دخله لمدة عام، لتغيّرت عاداته في الشراء، والصرف، والرفاهية، لِينتهي به المطاف -غالباً- بصرف كامل المبلغ الذي حصل عليه، فقط بسبب تغيير درجة السفر لـ “رجال الأعمال”، وشراء سيارة جديدة كل عام، وإدخال الأبناء لمدارس عالمية فاحشة الغلاء، وأشياء أخرى مشابهة.

السؤال هنا: هل تستحق هذه التغيرات إهلاك الجسد والروح؟!
أترك الجواب لكم.


دمتم بخير 🙂


3 thoughts on “عيش الكفاف

  1. اهلاك الجسد والروح ليس بالمعنى المثالي للحاله الا بعد الاستمرار على مانفعله لفتره طويله . مهما كنا مناضلين في الحياه الا ان سوء التصرف ولو لمرة واحده في بعض المرات لا تغفره الحياه لك.. وربما التعب والجهد والاهلاك لا يعني للحياه اي شيء . ما أعنيه هو أن الجهد امر ضروري جدا لنصل لاهدافنا الساميه ولكن البقاء في نفس الطريقة لفتره طويله هنا يكمن الخطاء هنا نجبر الحياه لصفعنا ألما كي نستيقظ ونغير الطريقة التي طالت أيا كانت هذه التغيير ربما نعود لمرحله ماقبل الجهد والنضال ونراها ممتعه علما أنالتغيير مهما كان بدايته جميله إلى أن يطول فينتكس .

    إعجاب

  2. أهلا دلال.لا تغيرات جذرية في حياتنا، ولا تطورات كبرى في أعمالنا، إلا بعد بذل الكثير والكثير من الجهد والوقت. هذه قاعدة أساسية في الحياة، فلا ناجح في أي مجال قام بتحقيق ما تمنّاه إلا بعد نوعٍ من إهلاك الجسد والروح. النتيجة لكل هذه الجهود: وقودٌ للروح، والجسد كذلك.لكن ما كنت أقصده في هذه التدوينة، أن من يجعل المال كدافع وحيدٍ لأهدافه، دون تحديد كمية المال الذي يجتاجه، أو تحديد مبلغ خياليّ، هذا هو الإهلاك الذي يدمّر الروح والجسد.شكراً جزيلاً لمرورك وتعليقك 🙂

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.