تجّار الوهم


يتبادر إلى الذهن عند قراءة مصطلح “تجار الوهم” أولئك الذين يبيعون السلع المغشوشة، أو يعالجون ويطبّبون بطرقٍ كاذبة غير تقليدية ومن على شاكلتهم.
لكنّي اليوم أتكلم عن نوع آخر من “تجار الوهم”.

بالتأكيد، خلال حياة كلّ واحد منّا، مراراً وتكراراً، قمت بطلب المشورة من أحد الأشخاص الذين -من المفترض- أنّك تثق برأيهم. وبالتأكيد، أنك في بعض الأحيان، وفي وقت لاحق، اكتشفت أن هذه المشورة بلا فائدة، بل أنّ بعضها جلبت لك بعض المتاعب.

المشورة والاستئناس برأي أهل الرأي، وطلب الحكمة من أهل الحكمة، هو أحد أدوات اتخاذ القرار في حياتنا اليومية.

لكن المشورة قد تكون -وفي كثير من الأحيان- سلاحاً ذو حدين. بعض منا حباه الله بنعمة الصديق الصادق النصوح، وبعضنا رُزق بحكماء مخلصين يعيشون حوله ويعينوه بالنصيحة الطيبة. لكنَّ أخذ النصح والمشورة مهارة، لا تقل أهمية عن مهارات اتخاذ القرار. العالم من حولنا مليء بالنفوس الغريبة، والشخصيات العجيبة. لنأخذ مثالاً على بعض هذه الشخصيات:

– الحسود: هذا الإنسان الذي يكذب في نصحه، لخوفه من أن تشاركهُ في رزقه لجهله أن رزقه مقسوم له قبل أن تلده أمه. احذره!

– الأحمق: نصيحته قد تنهي مستقبلك الوظيفي، أو حياتك الزوجية، أو صحتك النفسية. الأحمق لا يستند في رأيه على علم أو معرفة، وإضافة إلى ذلك، فهو لا يعرف أن نصيحته لا تلامس الصواب من أي جهة نظرتَ إليها. احذره!

– الجاهل: قد لا يكون أحمقاً، لكنه يفتقد إلى المعلومات الأساسية لمساعدتك في اتخاذ قرارك. لا أقصد بالجاهل ذلك الذي لم يحصل على التعليم الأساسي أو الجامعي، بل بالجهل في الموضوع الذي طلبت النصح فيه. قد يكون أستاذاً جامعياً، لكنه لا يمتلك الخلفية العلمية أو العملية المناسبة لتقديم النصيحة المناسبة لك. احذره !

– المتشائم: لن تخطو خطوة واحدة إذا طلبت الرأي من المتشائم. سيقلل من إرادتك، ويثبط عزيمتك، وينتهي بك المطاف بإضاعة الفرص. مصيبة إن كان هذا المتشائم من دائرة المقربين منك، لأن التشاؤم مرضٌ معدي. احذره!

– المتفائل: وهذا خطره مخفي وغير واضح. المتفائل بدرجة معقولة، الذي ينظر للعالم بعدسة واقعية مع لمحة من التفاؤل، هذا هو صديقك الذي تحتاج إلى نصحه. لكنَّ المغرِقَ بالتفاؤل إلى درجة السذاجة هو من أخطر الأشخاص. هو لا يرى العالم بعينٍ واقعيّة، لا يرى العقبات، ولا يرى العيوب، فكيف له أن ينصحك برأي مناسب؟ احذره!

– المزاجي: ذلك الذي تتغير نصيحته بتغير حالته النفسية، مزاجه الحالي، ظروفه العائلية، طبيعة عمله، وكلّ المتغيرات من حوله. جرّب أن تستشيرَ مزاجيّاً في نفس الموضوع ، لأكثر من مرة، على فترة شهر أو شهرين، وسترى أن النصيحة تختلف في كل مرة. احذره !

هؤلاء يا أصدقاء، تجار الوهم، الذين يبيعون النصيحة المسمومة -أحياناً بحسن نية-، لينتهي بك الأمر آخِذاً بنصيحة بالية، ورأي عفِن، قد تندم عليه طيلة عمرك.

طيب، بمن أستنصح؟ 
الموضوع محير!! فإن سلمت من الحسود، لم تسلم من صاحب الرأي الأحمق. وإن سلمت من كليهما، لم تسلم من المتشائم الذي لا يرى في الحياة خيراً.
 وإن تجاوزت كل هذه الشلة، قد تجد نفسك بالقرب من الموسوس الشكاك الذي لا يثق بك ليعطيك النصيحة المناسبة. 

لذلك، ابحث في حياتك عن شخص يجمع المعرفة، والحكمة، والصدق، والنزاهة، والشفافية، والواقعية. ابحث عنه، وأطل البحث. ابدأ بطلب مشورة بسيطة، واسمع منطقه، وافهم مقصده، واستشر قلبك وعقلك أيضاً، ثم اعقلها وتوكل، وانتظر النتائج. سيطول بك المشوار إلى أن تجد كلَّ هذه الصفات في جسد وعقل واحد، لكنّك إن وجدته، فقد نِلتَ خيراً عظيماً، تمسّك به وأكرمه، واجعله من أهلك وخاصتك.

ولا تنسى ما أنشده الأرجاني:


فما كُلُّ ذي نُصْحٍ بمؤتيكَ نُصْحَهُ     ***   ولا كلُّ مؤتٍ نُصْحَهُ بلبيبِ
ولكن إِذا ما استجمعا عند واحدٍ      ***   فحُقَّ له من طاعةٍ بنَصيبِ

دمتم بخير 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.