رسالة من الماضي


قبل سنوات عديدة، اقترح صديق غالٍ على قلبي أن يكتب لي رسالة في موقع Future Me ، يحدثُ فيها” محمّد” المستقبلي، بعد خمس سنوات. يُخاطبُ بروحه الحاضرة، روحيَ المستقبلية. يحدثني عمَّا عشناه من ذكريات، ما خضناه من تجارب، عن أمنياتنا، طموحنا، هفواتنا، ضحكاتنا، أفكارنا، لأقرأها بعد خمس سنوات. وافقت، وقمت بالمثل. كان ذلك في بداية 2012. مضت السنون، ودارت الأيام، وانخرطنا في معمعات الحياة، وإرهاصات العمل. باعدت الأيام بيننا، ومضى كلٌّ منّا في حياته يسعى.


وتماماً بعد خمس سنوات، في نفس الشهر من عام 2017، كنت في تلك الفترة أعمل كالآلة، ما يزيد عن الـ 75 ساعة في الأسبوع، أقرأ في تخصصي، أحاول الوقوف على اتزان قدر الاستطاعة. تلطمني الحياة من هنا وهناك، أفعل المستحيل لأقوم بواجباتي المختلفة. كانت فترة عصيبة.

وفجأة في تمام الساعة الساعة الثالثة مساءً، كنتُ للتوّ خرجت من غرفة العمليات، شديد الجوع والعطش، بالاتجاه للـ “بقالة” لأكل “لوزين” و “سنكرز” على الماشي، والعودة لإكمال المتبقي من العمليات. رأسي كان ينبض من شدة الصداع، ويداي ترتجفان من الجوع. كان باختصار يوماً كسائر الأيّام في المستشفى. فجأة، يأتي صوت التنبيه من الجوال لوصول رسالة الكترونية جديدة، معنونة بـ “A letter from … February 18th, 2012“. كنت -في الواقع- قد نسيت الرسالة وفكرتها، وكانت الأيّام قد طالت منذ آخر رسالة بيننا. فتحت الرسالة، وأنا ألتهم ما تبقى من اللوزين مطعّماً بالسنكرز، وبدأت أقرأ.
لأصدقكم القول، كانت أحد تلك اللحظات في الحياة، عندما تتوقفُ عقارب الساعة، ويزول الضجيج وصوت الناس من حولك، وتبدأ دقات القلب بالتسارع، وترتفع روحك من جسدك، لتعيش تلك اللحظة الجميلة من الماضي. تلك الحروف، ببساطتها وجمالها، تنتشِلك من حاضرك، وتطير بك إلى ماضيك الجميل، إلى تلك اللحظة ذاتها التي أراد صاحبك أن تتذكرها. وبالفعل، تتذكر تلك اللحظة بعينها، بجميع تفاصيلها. كأنك في لحظة من لحظات فيلم The Matrix، وكأن هذه الرسالة قد وصلت بحروفها إلى مستوى الخيال العلمي في ذلك الفلم. كانت بحق، لحظة ملحمية.
وصلني كذلك -في نفس اللحظة- نسخة من رسالتي إليه، حروفي، أفكاري، ذكرياتي، كلّها محمّلةٌ في رسالةٍ من الماضي.

عشر دقائق مضت في عالم الأحلام، يقطعها رنين الجوال، يتصلُ عليَّ زميلي من غرفة العمليات، ليخبرني أن العملية التالية على وشك أن تبدأ. أقفلت الجوال، توجهت لغرفة العمليات، وفي صدري ألف نفس جميل -من الماضي- ، وفي عقلي ألف فكرة أجمل، من الماضي الجميل كذلك. 

رائعة هي تلك الفكرة، وجميلة كجمال صاحبي وروحه. 

أكثر من 5 ملايين رسالة تم حفظها من الماضي، وإرسالها للمستقبل عن طريق هذا الموقع. البعض أرسل رسالةً خاصة لنفسه في المستقبل، الآخر أرسل رسالة لصديق، الثالث أرسلها لخليل أو خليلة قد فرقتهم الأيام، والكل اتفق، أنهم عاشوا لحظاتٍ جميلة بقراءتها من المستقبل.

خوضوا التجربة، حمّلوا حروفكم وأفكاركم في آلة الزمن، واقرؤوها بعد سنين، وعيشوا تلك اللحظة الملحميّة.


دمتم بود 🙂

One thought on “رسالة من الماضي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.