نظرية فيثاغورس خرابيط !


في تدوينة للجميل @Akhmees، عن قصته مع سائق أوبر، معلم الرياضيات، تحدّثا في مشوارهم عن الرياضيات ونظرية فيثاغورس وأهميتها في حياتنا. عبد الرحمن ليس صديقاً مقرّباً لعلوم الرياضيات خلال دراسته الجامعية، وكان دائم التساؤل عن أهمية هذه النظرية في حياته العمليّة. مدرس الرياضيات اللطيف: أعطاه من الآخِر: “خرابييط، والرياضيات كلها ما لها داعي” !!!

نعم، لكل واحد منّا حرية الرأي والفكر، ولكل شخص الحق باحترام آرائه مهما كانت غريبة. لكن التساؤل الذي خطر على بالي: “كيف لمربي الأجيال الفاضل أن يظنَّ ذلك؟ وما هي التّبعاتُ لهذه الأفكار على جيل المستقبل؟”

العديد ممَّن يعيشون على هذه الأرض يعملون في وظائف دون اختيارهم، ساقتهم الأقدار لها، دون شغفٍ بها، وحبٍّ لها. في الواقع، قلّةٌ هم الذين اختاروا وظائفهم برغبة صادقة، وشغفٍ عالٍ. 


لنتفق على بعض الأبجديات:

لا تحبُّ عملك = لن تبدع
غياب الشغف = حضور الإحباط
زوال الدافع = انعدام التقدم العلميّ والعمليّ

محزنٌ هو الشعور بكُرهِ الوظيفة/العمل. يتطلّب الموضوع الكثير من الشجاعة والتضحيات ليجدَ أحدٌ منّا شغفه. قد يزول الأمان الوظيفي خلال المشوار لإيجاد ذلك الشغف. لكن بالمجمل، تبعات العمل في وظيفة تكرهها، هي حزن ذاتي، وإحباط شخصي، قد لا يتعدى دائرتك الخاصة من عائلتك وأصدقائك.

لكن عندما تكون وظيفتك مؤثرة، أداؤك الرائع أو المتدهور، قناعاتك الشخصية، لها تبعات على شريحة كبيرة من الناس، لا سيّما إذا كانت هذه الشريحة من أعمدة البلد، فهذه هي الطامّة الكبرى!

التعليم (العام والعالي)،المعضلة الكبرى في مجتمعنا، والمشروع الأكبر الذي يحتاج للكثير من التغيير، هو أحد أكثر الوظائف المؤثرة على الجيل الناشئ، الذي سيقود البلد في المستقبل القريب. المعلّم هو الحلقة الأهم في هذه السلسلة. غياب الشغف عند المعلّم، يعني انعدام الرسالة لشباب البلد. نعم، وظيفة التعليم قد تكون من أشد الوظائف إحباطاً وصعوبة “حتى لمحبّي للتربية والتعليم”، لكنّ أن يصل الأمر لأن تكون قناعة المعلم بأنّ ما يعلمه هو علمٌ بلا فائدة ولا رجاء، فماذا نتوقع من منتجات هذا التعليم ؟!

لا أريد للمعلّم أن يكون مغرقاً بالتفاؤل المفرط، محبّاً للتعليم إلى حد الجنون، ففي كل وظيفة هناك قدر مقبول من الإحباط والملل. لكن أن يصل الموضوع إلى أن يفقد الإيمان بما يدرّسه، فهذا شيءٌ غير مقبول بتاتاً. أعتبره غياباً للوعي، وفقداً للبوصلة، وخطراً واضحاً على طلابنا. 
كيف لا تكون الرياضيات من أهم العلوم في زماننا، وجميع النظريات الكونية والفيزيائية، وكافة الاختراعات العلمية في القرن الماضي، تعتمد بشكل أساسي على علوم الرياضيات. ثمَّ كيف لفاقد الشيء أن يعطيه؟ كيف للطالب في مرحلة التكون أن يتحدّى هذه القناعة من معلّمه الذي من المفترض أن يشرح له أهميّة الرياضيات قبل أن يبدأ بتدريسها.

خلال دراستي في المرحلة الثانوية، تم ترشيحي لبرنامج إثرائيّ طيلة فترة الصيف في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن. راقت لي الفكرة، وقررت الانضمام. كان لا بد للحصول على توصيةٍ من المرشد الطلابي بالمدرسة، فأخذت الأوراق المطلوبة، وقدمتها للأستاذ الفاضل. هذا الأستاذ هو من “طيور البر”، وصاحب صيد ورحلات بريّةٍ ومغامرات كثيرة. عندما نظر إلى البرنامج الصيفي، ابتسم في وجهي وقال: “وش تبي بالدراسة، استانس بالصيف يا ولد” !! هذا هو رد الرجل المسؤول عن “إرشادي” خلال تلك المرحلة، وإذا كان ربُّ البيت بالدف ضارباً، فلا عجب أن الغالبية من الطلاب في حالة رقصٍ و “تندّح”.

المعلمون، هم خطُّ الدفاع الأول عن المرحلة التعليمية، هم الأساس والأصل. لا المناهج، ولا الأنشطة، ولا المباني والوسائل التعليميّة، ولا شيءَ آخر يصل لأهميّة هذا الرجل الفاضل. فإذا تداعى هذا الكيان، فسلامٌ على التعليم وومخرجاته.

يحتاج قطاع التعليم لوقفة عصماء، ابتداءاً وانتهاءاً بتطوير المعلّم. يبدأ الموضوع بحسن الاستقطاب والاختيار، الصفوة هم من يجب أن يتولوّا قطاع التعليم، الأفضل -والأفضل فقط- هم من يجب أن نأتمنهم على جيل المستقبل. لا يجب أن يكون التعليم وظيفة من يريد الراحة والاستقرار وإجازة الأربعة أشهر. من شموخ المعلّم، يقف التعليم شامخاً، ونعتزُّ حينها بمخرجاته، وننهض بالوطن والأمة.


دمتم بخير 🙂


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.