اترك أثراً !


عندما تقوم بأي دورٍ في حياتك (وظيفة، دور اجتماعي، عمل تطوعي..) فأنت أمام خيارين إذا ما سألت نفسك: “كم أعطي من وقتي وجهدي لهذا الدور دون أن أكون مقصّراً؟”. لنستعرض هذين الخيارين:

الأول: تقوم بالحد الأدنى من العمل المطلوب منك “دون تقصير واضح”. تقوم بحل المشكلات وقت حدوثها، تتفاعل مع كل حدثٍ بشكل منفرد، ثم تمضي للحدث الذي بعده. لا مبادرات لإحداث تغيير أو صنعِ فارق في الحياة.

الثاني: تكون شخصاً مبادراً. لا تقفُ مكانك بانتظار المشكلات لكي تصل إليك ثم تبدأ بحلّها، لكنّك تسعى بشكل استباقيّ لمواطن الخلل، وتقوم بإيجاد الحلول المناسبة، تُطوّر ما يحتاج إلى تطوير، وتنمّي ما يحتاج إلى تنمية.

الفارق في الجهد المبذول شاسع بين الموقفين، الأول يبقي لك الكثير من طاقتك وجهدك البدني والذهني لما يحلو لك من الأنشطة الأخرى. الثاني -بطبيعة الحال- قد يستهلك كل ذرة طاقة بدنية وذهنية تمتلكها لكي تقوم بتفاصيل هذا الدور.



إذاً المعادلة سهلة، في كلا الموقفين أنت لم تقصر في عملك، نفذت المطلوب منك دون تقصير أو تسويف، لكن الموقف الأول يعطيك راحة البدن والبال. واضحة، خلك من أهل الدور الأول.


لكن !!

الفارق في النتيجة بين الدورين شاسعٌ أيضاً. كل الإنجازات العظيمة، والتغيرات الهائلة في هذه الحياة، جاءت من أناسٍ لم يركنوا للراحة، نبذوا الهدوء والسكينة، واختاروا أن يكونوا أناساً مبادرين، ليُحدثوا التغيير المطلوب.

اختيارك لأحد الدورين، هو قرارٌ شخصيّ. تتخذُ هذا القرار بالاستناد إلى رسالتك وأهدافك في الحياة. أنت -بطبيعة الحال- آدميّ، وقتك وجهدك محدودان، ولا تستطيع أن تكون مبادراً في كل “دورٍ” من أدوار حياتك، ففي المجمل: “صاحب الصنعتين كذاب“.
يعني: يجب أن تختار قبل كلّ دور: كيف أريد أن أكون، أو كما يقول الخواجات”pick your battles“. 

وهذا يقودني لعنوان التدوينة “اترك أثراً“.
انظر لتاريخ المؤثرين في أي مجال (التجارة، التعليم، الهندسة، الطب، الرياضة، الفن، الإدراة…)، كلّ من أحدثَ أثراً ملموساً يدوم في أذهان الناس على مرّ السنين، هم أصحاب الدور الثاني، شخصياتٌ مبادرة، منتجة، منجزة، لم يركنوا للرتابة، لم يتعذروا بـ “النظام”، ولم يُحبطوا بـ “الروتين”.

لكيّ تترك أثراً -إذا يوماً ما قررت أن تكون من المغيرين- فاحزم عدتك وعتادك، لأنك ستقابل الكثير من العقبات، وسيثبط عزيمتك الكثير من الأشخاص (بدوافع مختلفة). الثمنُ عالٍ، لكن النتيجة تستحق كل العناء وطول المشوار.


الجدير بالذكر، أنّ الدور الثاني يزداد سهولة مع مرور الوقت، أي أنّك تكتسب لياقةً فريدة لتكون مبادراً ومؤثراً. فأول مشروع تقرر فيه أن تكون من المبادرين، سيفتح عليك أبواب الجحيم. سيجعلك تعيش أسوء لحظات حياتك، حتى تصل إلى مرادك. لكن المشروع الذي يليه، سيكون أسهل، والذي بعده أسهل وأسهل، وهكذا. وجودك في هذا الدور أكثر من مرة، يعطيك الكثير من المهارات العلمية والعملية، يزوّدك بقائمة طويلة من العلاقات المفيدة، يعطيك اللياقة، ويعلمك الصبر، والمحصلة النهائية: كمٌّ هائل من المهارات الشخصية التي تجعل منك شخصاً فريداً.

روعة النتيجة، وجمال الإنجاز عندما تكون مبادراً ومؤثراً، هي من أروع وأجمل اللحظات في حياتك. حصاد جهدٍ هائل، وعملٍ مضنٍ، هي من أقوى الطاقات التي يجعل عقلك وجسدك في حالة عملك مستمر، كالوقود والكهرباء، تمتلك بعدها مولّداً داخليّاً، يمدّك بالطاقة والحماس والإلهام، منك وإليك، دون الحاجة لمحفزات خارجية.

المهم: “مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ“، فالمبادرة والتأثير سلاحٌ ذو حدين، دون أن تتحكم بأدوارك في الحياة، من الممكن أن يقضي عليك. لا تستطيع أن تكون “مية المية” في كل شيء. اعرف مبتغاك ورسالتك وأهدافك، اختر أين تريد أن تكون فعالاً، وأين تريد أن تجعل الجهود متواضعة وبسيطة. مخزون الطاقة ثابت، فيجب أن تعرف كيف تصرف هذه الطاقة على أطياف حياتك.


دمتم بخير 🙂



2 thoughts on “اترك أثراً !

  1. بكل الاختيارين الأول والثاني فيهم مبادره ودائما المبادرات الايجابيه مطلوبه انا مع الخيار الأول مع اني اعتقد بأن بعض الحالات تتطلب الخيار الثاني

    إعجاب

  2. أهلاً بك.التغيرات الكبيرة في حياتنا وأعمالنا -حسب ظني- لا تأتي من انتظار الفرص، بل تأتي من مبادراتنا التي نقدّم فيها الكثير من الجهد والوقت.تحياتي

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.