الرأي والود والقضية


دائماً إذا احتدم النقاش مع البعض، نستخدم المقولة المشهورة: “الاختلاف في الرأي لا يفسد للودِّ قضية“، ثم ينصرفُ كلُّ طرفٍ في حال سبيله. الأكيد -في معظم الأحيان- هو أن الودّ قد تزعزعَ قليلاً. 

متى كانت آخرُ مرة اختلفتَ فيها مع صديقٍ في مسألة ما ؟! أتكلم عن اختلاف جوهريّ في الأفكار أو المبادئ. تذكّر ذلك الموقف، وتذكّر كيف انتهى النقاش؟ وما هي التبعات على علاقتك مع صديقك؟

في معظم الأحيان، الاختلافات الجذرية في وجهات النظر قد تفسدُ الودّ، وتهدمُ القضية. لنكن واقعيين؛ لم ننشأ على ثقافة الاختلاف. منذ صغرنا، والشخص المختلف: غريب، نفسية، مجنون، مسكين، مغررٌ به .. وقائمة طويلة من التسميات التي نطلقها على الشخص “المختلف”. 


أحدثكم عن نفسي: أفضل الجلوس مع شخص يشاركني منظومة الأفكار والآراء، وأحاول أن أتجنّب من هو على الطرف الآخر من المعادلة، ذلك الإنسان الذي يمتلك -كما أظن- رأياً شاطحاً، أو فكرةً غريبة. إذا بدأتُ في الحديث معه، مهما حاولت أن أستمع إلى حديثه بحياديّة تامة، إلا أن صوتاً صغيراً داخل دماغي لا ينفكُّ عن ترديد: “من جدّه؟ معقول يفكر كذا؟”. وأعتقدُ أن الكثير يشاركونني الشعور نفسه، والتجربة ذاتها.

تقبُّلُ وجهة النّظرِ الأخرى يتطلبُ الكثيرَ من الشجاعة والتدريب. لا يولد أحدنا مُنفتحاً على الرأي الآخر، متقبلاً للأفكارِ المضادة. من أصعب الأمور التي قد نحتاج لتغييرها: أفكارنا.
تلك المنظومة الضخمة من التجارب، الخبرات، الدروسِ التي نهلناها ممّن حولنا منذ نعومة أظفارنا، والتربية التي تلقيناها من أهلنا ومعلمينا منذ الصغر، كلّها تصب في منظومة الأفكار والمعتقدات التي يصعب تغييرها، وتقبّل ضِدِّها.


لا شك أنَّ هناك علاقة عكسية بين تقبّل الآراء الأخرى، والتعليم الذي تلقاه الشخص. لكنّ التعليم لا يعطي كلّ شيء. التربية منذ الصغر على التفكير بانفتاح واحترام، لها دورٌ أكبر. انظر لأعنفِ تجارب التغيير التي حدثت على مر العصور، خصوصاً في مجال الأديان (كرسائل الأنبياء)، ردّة الفعل القاسية لهذه التجارب كانت دائماً في أممٍ قد قتلها الجهل، وغابت عنها التربية الصحيحة.

طيب، هل نحتاج إلى أكثر من التعليم والتربية؟

أكيد. نحن الآن أشخاصٌ متعلمون، وتلقينا تربيةً مباركة، لكن إلى الآن نجد صعوبة في تقبل الرأي الآخر. 
فقه الاختلاف وآداب الحوار، هي من العلوم الدفينة، التي يجب أن ننشأ عليها. عاش المسلمون في عصرٍ يتّبعُ فيه أهل السنةِ والجماعة أقوال أربعِ أئمة مختلفين، لكلّ منهم رأي مختلف، ووجهة نظرٍ مختلفة، ولفترة من الزمن، عاش المسلمون في أمانٍ فكريّ في حياة هؤلاء الآئمة. صحيحٌ أن البعض ممّن خَلَفَهُم قد تمادى في الاختلاف، وتعدّى على المختلف، لكن وجود الأئمة الأربعة خير دليلٍ على أنّ الاختلاف محمود، وأنّ الناس قادرون على تقبّل المختلف، مُثبتاً لنا أن تقبل الاختلاف ليس ضرباً من الخيال، أو من أفكار المغرقين في التفاؤل والأحلام.

السفر، الاختلاط بالشعوب، الاستماع إلى الناس وطرقِ عيشهم، كلها وسائلُ تعين على تربية النفس وتهذيبها لتقبّل الطرف الآخر. القراءة في فن الاختلاف تُعين الإنسان على تقبّل الطرف الآخر. عسفُ الذات وإجبارها على الجلوس -بهدوء- مع المختلف، تعين على اكتساب “لياقة الاختلاف”.

طيب، سؤال آخر -أكثر أهمية من السؤال الماضي-: لماذا عليّ أن أفعل كلّ ذلك لكي أتقبل شخصاً أستطيع -بكل بساطة- تفاديه؟

سؤال جيد. في حياتنا (الوظيفة، الزواج، الصداقة..) سنضطرُّ إلى أن نتعامل مع ذلك المختلف. وأصدقكم القول، التواصل معه سيدفعك للجنون. إن لم تكُن مستعداً بهذه المهارة (فقه الاختلاف) فلن تستطيع أن تكمل دورَك على أتمّ وجه، وستكون أيامك حول “المُختلف” أياماً سوداء إن لم تتعلم العيش بقربه. فمن الجيد أن تبدأ الآن، استعداداً لمجيئه في أي وقت.

ما أحسن ما قاله الإمام الشافعي: “قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول المخالف خطأ يحتمل الصواب“. اجعل في داخلك هذه القناعة، فتمسّكك الشديد برأيك، قد يكسرك في يومٍ من الأيام.

دمتم بخير 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.