ولجسدك عليك حقّاً

أكتب لكم في اليوم الأول بعد العملية الجراحية. الصداع في تحسن، والآلام قد خفّت. لكن هناك خواء في الأفكار والكلمات. لنصف ساعة أحدّق في الشاشة دون أن يخطر في بالي أي فكرة.

في بداية العام الماضي “وقد شارفت على دخول الثلاثين عاماً”، وبينما كنت ألاعب ابنتي الصغيرة “ديمة” في حديقة الحيّ، كنت متربعاً على الأرض، نعلب بالرمل والسيارات، ونبني القلاع والمجسمات. عندما انتهينا، وحاولت الوقوف بحركة واحدة “كما اعتدت دائما”، إذا بمفاصلي وعضلاتي تخونني، وينتهي بي الحال ساقطاً على ظهري. ديمة تقف عند رأسي وتطلب منّي أن نبدأ بالركض والمطاردة. لم أكن قادراً على الركض لأن شدّاً عضليّاً قد أصاب عضلات القدم والساق، فاعتذرت منها، وأمضيت باقي اليوم أمشي معها بهدوء. 


جلست يومها أفكّر! لم أبلغ الثلاثين، وجسدي في حالة يرثى لها. نعم، وزني مثالي، وجسمي لا يشكو من أي زوائد دهنية، لكنّي أعيش في جسد رجلٍ خمسيني. لا أستطيع أن أجري مع ابنتي الآن، كيف سألعب في المستقبل مع إخوتها؟ كنتُ في السابق مولعاً بالرياضة واللياقة البدنية، لكني قد أهملتها مؤخراً. رياضتي اليومية هي مشيٌ طويل في أروقة المستشفى، ووقوف طويل في غرفة العمليات، لكن هذه الأنشطة لا تعطيك اللياقة المطلوبة، والبناء العضلي المناسب. كنت في بداية العشرينات أطمح لأن أمتلك جسداً شابّاً في عمر الخمسين، أن أكون قادراً على مسابقة أحفادي وأنا في الستين. لا أريد لأحدٍ أن يدفعني بالعربة عندما أبلغ الشيخوخة.
إذا؛ مالذي أفعله في حياتي؟!!

كانت تلك السقطة نداءاً للنهوض. التحقت بعدها بنادٍ لرياضة الـ CrossFit، وكان تحدياً بكل المقاييس. وقتها كنتُ في السنة الأخيرة من الزمالة، والجدول اليومي مزدحمٌ إلى أبعد درجة تستطيع أن تتخيّلها. التزمت رغم الظروف. طبيعةُ هذه الرياضة صعبة جداً، وتحتاج لكمّ هائل من اللياقة والمرونة. كانت البدايات صعبة، وكنتُ أجرّ نفسي يوميّاً للنادي. لكن مع مرور الوقت، صارت المهمة أسهل. لاحظت تغيراً عجيباً في الطاقة، والنشاط، والنوم. حياتي وصحتي تحسنت بشكل كبير. الإرهاق الذي كنت أحسه في نهاية كل يوم عمل، بدأ يزول. عند عودتي للمنزل، كنت أمتلك بعض المخزون الإضافي من الطاقة للجلوس مع العائلة، القراءة، القيام بمشوارٍ ليليّ، أشياءٌ لم أعتد على القيام بها قبل إضافة برنامجٍ رياضيّ محترم.


طاقةٌ عجيبة، وتركيزٌ عالٍ“: كانت هذه محصلة الالتزام بجدولي رياضيّ حازم. صرت أركض مع “ديمتي” حتى أن تتوقف هي من التعب، أتعلق معها في ألعاب الحديقة، أقوم بالقفز والقرفصاء دون أن أكشر عن أنيابي أو أعبس وجهي مع كل حركةٍ أقوم بها. باختصار، كنت ابن العشرين، كما يجب أن أكون.

غياب الرياضة المستمرة هو إهمالٌ ذو تبعات خطيرة في المستقبل. الجسد الذي يركن إلى الكسل، تتراكم فيه الأمراض، وتجتمع عليه الأيام والسنون، حتى أن يصل إلى مرحلةٍ غير قابلةٍ للإصلاح. لذلك، ابدأ بنمط حياةٍ نشيطةٍ من الآن، ولا تضع المزيد من الوقت. تذكّر أن لجسدك عليك حقّاً، تعهده بالصيانة قبل أن يخونك في الشيخوخة.

دمتم بصحة وعافية 🙂


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.