ذكريات طفولة

خلال تصفحي للمدوّنة، وجدتُ هذه التدوينة في المسودّات، قابعةً هناك منذ العام 2015. لا أدري لماذا لم أقم بنشرها! وبسبب حاجتي لتدوينةٍ جديدةٍ يوميّاً مع مبادرة #30يوم_تدوين ، أعتقد أنّي لن أرفض أيّ مكتوب، قديمٍ أو حديث.

لن أخطَّ هنا أي حكمٍ أو دروسٍ تعلمتها في هذه الحياة، ولن أسطِّر تجارباً عشتها قريباً وغيّرت فيني الكثير. لذلك، أنصحك بأن تتوقف الآن إن كنت تبحث عن شيء من هذا القبيل !
كان من المفترض أن أقوم ببعض الأعمال المتعلقة بعملي ودراستي الطبية، لكن المزاج لم يكن على توافق مع هذه الأشياء، فآثرت الخربشة..


قبل يومين، جلست مع أبي وأمي على “قهوة المغربية” وَحدنا، وبدأنا نتجاذب أطراف الحديث، تعليق ساخر من هنا، و ردٌّ ناريٌّ من هناك، والحرب سجال.
وعندما حمي الوطيس، و كدت أن أغلبهم بسلاطة لساني، جاؤوا بالسلاح الذي لا أستطيع أن أحتمي منه، جاؤوا بذكريات ولادتي..

في الشهر الأخير من حمل والدتي بي، اكتشف الأطباء أني أعاني من تضخم من الكلى، وأن والدتي تحتاج للتنويم المباشر، مع احتمالية أجراء عملية لي بعد ولادتي مباشرة. أمي -أطال الله في عمرها- أصابها القلق الشديد عليّ، وكذلك أبي. تيسرت الأمور وأُدخلت والدتي إلى المستشفى. تمت الوالادة، وتم تنويمي بعدها في جناح العناية المركزة للمواليد، وفي ظرف أيام اُُجرت لي العملية، وتكللت بالنجاح ولله الحمد. طيب، أين صعوبة الموقف؟ وأين النقطة الحرجة التي يقصفني أهلي بها كل مرة؟ سأخبركم !!

هي في الواقع نقاط كثيرة..

الوالدة حفظها الله: تبدأ في التشكي من التعب الذي سببته لها خلال ولادتي، وبعدها. فقد اضطرت أن تصاحبني طيلة فترة تنويمي في المستشفى “أربعين يوماً”، تخللتها إجازة عيد الفطر. لسان حال أمي: من ولادتك وأنت بثر !!
أعلم أن أمي بقلبها الحنون ما كانت لتمنَّ علي بشيء، لكن من باب الظرافة والدعابة.

موقف آخر: الممرضات في الحضانة، كانوا يخبرون أهلي أن هذا ليس بمولود رقيق كبقية المواليد، لكثرة صراخي وبكائي بصوت عالي. كانت الممرضة تقول لأمي دائما: “هذا ما فيه بيبي، هذا رجال، ايش هذا؟!!”. طيب، أنا ما ذنبي أنّي وُلدت رجلاً مسؤولا ؟!!!



الموقف الأخير: أحد خالاتي -سامحها الله وغفر لها قسوتها علي-، كانت تقول لأمي: “تصدقين يا أخيّتي، ما فيه براءة أطفال !!!”. لا حول ولا قوة إلا بالله، أنّى لصبيٍّ يسمع هذا الكلام ثم لا يصاب بعقدة نفسية لبقية حياته؟!! واستمرت ذات الخالة على رأيها، بأني خالٍ من أي ذرة من البراءة، حتى يومنا هذا. لا أقول إلا، إلى الله المشتكى ..
بعد هذه النقاط التي يوردها أهلي، لا أملك إلا الصمت، فردودهم في كل مرة بهذه المواقف، تكون بمثابة الحروف الملجمة، لا نطق بعدها، خصوصاً إذا حضر النقاش أحد إخوتي، وقتها: الله يكفيكم شر الشماتة والطنازة !!

من عجائب الأقدار:
قضيت أول أيامي في هذه الحياة، في ذلك المستشفى، مستشفى الملك خالد الجامعي. وتمضي الأيام، ويكتب الله أن أعود للدراسة فيه بعد عشرين سنة !!
الأطباء الذين أشرفوا على حالتي وقتها وأنا طفل رضيع، هم أعضاء هئية تدريس إلى هذه اللحظة. بدؤا معي حياتي يصلحون ما اعتلّ من صحتي، وها هم الآن، يُقوِّمون علمي وخلقي، لأخرج للحياة، مستعداً لخوض غِمارها. سبحانه، إنها أقداره التي لا تكون إلا لخير..

يقطع كل هذه التأملات الروحانية، صوت أخي وهو يقول: ياااا بثرك يا محمد ،، ما فيييه برااااءة ..
أبتسمُ، وأحمد الله على نعمه. وأخرج من ساحة النقاش ، مطأطئاً رأسي، لأحافظ على كرامتي، أو ما تبقى منها ..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.