جنون الشهرة


مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة، نشأ بين الناس هوسٌ عجيب، ومرضٌ معدٍ. بدأ الناسِ إمّا بالسعيِ نحو الشهرة، أو الركض خلف المشاهير. لا يهمّ ما هي رسالتهم، أهدافهم، طرقهم، أو حتى شرعيّة وأخلاقيّة ما يقدمونه. أصبح ثقلُ كلّ شخصيّةٍ بعدد المتابعين لها، وأهميّةُ كلّ شخصٍ بعدد “السنابيين” خلفه. صار حجم النطاق الذي يأثرون فيه، وسعة الدائرة التي يصلون إليها، أهمّ من أيّ شيءٍ أخر. 

صارَ مشهور التواصل الاجتماعي محلّ الاحترام والتقدير والاحتفاء. في كلّ مناسبة تجدهُ على أول قائمة المدعوّين، وفي كلّ محفل وفعاليّة، يتصدّر المجلس مع كبار القوم. لا يهمّ من أين أتى ذلك الشخص، وماذا يقدّم، وكيف يحصل على شهرته، المهم “كم شخصاً يتابعه؟“. لا يهمّ إن كان إمّعة بلا مبادئ، ولا يهمُّ إن كان خالياً من أبجديّات القيم والأخلاق، ولا يهمُّ إن كان طفلاً جاهلاً مغرراً به يتمُّ توجيهه يمنة ويسرة، ولا يهمّ أيضاً إن كان صاحبَ لسانٍ سوقيّ وألفاظٍ قبيحة. كلّ هذا لا يهم، الذي يهمّ فقط هو “كم شخصاً يأتي خلفه”.


لماذا أسميته جنوناً؟

لأنّه تمكّن من الجميع. المعايير كلّها انقلبت. المشهور، ومن يتابعه، ومن يقوم بدعوته، كلّهم في غفلةٍ عمّا يفعلون. منظم الحفل هذا، أو صاحب المشروع ذاك، وإن كان شخصاً مِن عِليةِ القوم، ومن وجهاء المجتمع، لكنّه في نهاية المطاف يريد التسويق لمنتجه “أيّ كان ذلك المنتج”، والسوق لا يستمع إلا لهؤلاء المشاهير. فتجده يتنازل عن كلّ ما يمتلكه من مبادئ، لكي يروّج لسلعته مهما كان الثمن. 

اختفى من الساحة حامل الرسالة، وصاحب المبدأ. لا مكان للمثقف اللطيف، والمبدع المحترم. لأنّ ساحة المنافسة باتت كحرب العروش “Game of Thrones“، لا مجال لمن يلعب باحترام، ويحترم قواعد اللعبة.
حتى ذلك المشهور المحترم صاحب الرسالة النبيلة، هو مجبرٌ لأن يتنازل عن بعض مبادئه، فلا بدّ أن يجلس يوماً مع المشاهير الآخرين –زملاءِ المهنة-، يجب أن يجاملهم، ويصوّرهم، ويستظرف معهم، وإلا فلا مكان له. 

 ثمّ إنّ كثيراً منهم بلا ولاءٍ ولا مصداقية. فالشهرة قد أضحت تجارة. وفي غياب الرسالة، فكلّ واحد منهم مستعدٌّ للترويج لمن يدفعُ أكثر. بغضّ النظر عن جودة ما تريدُ أن تقدّمه: “إذا كنت صاحب الريال الأوفر، فجيوشي في شبكات التواصل هم تحت أمرك“. 

إنّه كالطاعون، أصاب المجتمع مع كلّ جوانبه. المشهور، والمتابعُ، والمسوّق، كلّهم قد فقدوا البوصلة، وأضاعوا الرسالة. أحياناً تحسُّ أن العالم أجمع قد أصابه الجنون، وأنّك أنت العاقل الوحيد. لكن مع تفاقم المشكلة، وتدهوِ الحال، فإنّي أبدأُ باعتقادِ أنّ الحاصل الآن هو الصواب، وأنّي إلى الآن في دوّامة الماضي، ويجبُ عليَّ أن أواكب العالم الجديد.


طبعاً وبكل تأكيد: التعميم من آفات الخطاب. هناك ثروات وطنيّة على شبكات التواصل الاجتماعي. شبابٌ وشابّات جعلوا الرقيَّ بالدين والوطن هدفهم الأعلى، لا يساومون على البلد وممتلكاته، ولا تؤثر الشهرة والمال في الرسائل التي ينشرونها عبر حساباتهم. هذه النوعية من المشاهير هي قلّة للأسف، ويعانون في الوصول للقاعدة الجماهيرية التي يستحقونها، لأن السوق مليء بالمشاهير المزيفين. 

أعتقدُ أنّ الملام الأول والأخير هو نحن: المجتمع. فنحنُ من مكّناهم وأشهرناهم، سواء بالدعاية الإيجابية أو السلبية. لو أننا تجاهلنا كلّ من لا يحمل في جعبتهِ رسالةً راقية، ومبدأً نبيلاً، لما سادوا ولا انتشروا كالوباء في عالمنا الافتراضي والحقيقيّ.
الإعلام الجديد، ومشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، سلاحٌ ذو حدّين، يكون ذا منفعةٍ كبيرة إذا ما أحسنّا استخدامه. هو كذلك وسيلة لهلاكنا إن نحنُ مكّنا الجهلةَ والسوقيّين.
دمتم بخير 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.