الأمان الوظيفي

أن

كلُّ واحدٍ منّا قد زار يوماً أحد القطاعات الحكومية في بلدنا المباركة، لمتابعة معاملةٍ شخصية له أو لأحد أفراد أسرته. البعض منّا قد تردد على القطاعات الحكوميّة أكثر من غيره، لأن ظروف حياته حتّمت عليه ذلك. ومن تجربةٍ شخصيّة، بعد عددٍ معيّن من المعاملات، فإنك تصاب بالـ (فوبيا) بمجرد تذكّر موعدك في ذلك القطاع لإنهاء المعاملة. شخصيّاً، مستعدٌّ لدفع مبلغٍ معيّن (حتى لو كان مبالغاً فيه) لتوكيل شخصٍ آخر بالذهاب وإنهاء كافة الإجراءات نيابةً عنّي.

نعم، القاطاعات الحكوميّة قد حققت تقدّماً ملحوظاً ومشكوراً في كثيرٍ من دوائرها. المعاملة التي كانت تستغرقُ شهراً وجهداً عظيماً قبل عشرِ سنوات، صارت قابلة للإنجاز الكترونيّاً من منزلك في دقائق. هذا -يا جماعة الخير- جهدٌ مبارك، وتطوّرٌ عظيم، نشكرُ وطننا الغالي عليه.

لكن، إن كنت تحتاجُ إلى القيام بمعاملة لا تخضعُ للتنظيم الالكترونيّ، أو أنّك بالحاجة إلى بعض الاستثناءات، فقد عُدتِ إلى المربع (صفر)، من حيثُ ابتدأنا. 
لماذا التجربة صعبةٌ ومريرة؟ لماذا هذا الخوف وهذه الرهبة من مراجعة القطاعات الحكوميّة؟ هل هو سوء في النظام؟ أم هو نقصٌ في الكوادر؟ أم هناك أسبابٌ أخرى؟

باعتقادي، ومن تجربة طويلة كـ “مُعَقِّب” في القطاعات الحكوميّة، فإن تجربتك في كلّ مرة تعتمدُ اعتماداً كليّاً على الموظف المسؤول عن معاملتك. المعاملة ذاتها، في القطاع ذاته، قد تنتهي بدقائق وأنت في قمّة السعادة والراحة، وقد تأخذُ أيّاماً عدّة، مولّدة في داخلك الشديد من الغضب و “الغبنة” باختلاف الموظف المسؤول.

يعني، الموظف الحكومي من أهم العوامل التي قد تغيّر مستوى الإنجاز ورضى المراجع في أي قطاع. طيّب، ما الذي يجعل الموظف الحكومي أقلّ إنجازاً، وأكثر (لا مبالاة) من نظيره في القطاع الخاص؟

في ظنّي، الأمان والاستقرار الوظيفي من أهم الأسباب التي تقود إلى اللامبالاة وبطء الإنجاز. الأمر منطقيّ: الراتب مضمون في آخر الشهر، مطلوبٌ منّي فقط الحضور والإنصراف في الموعد، إنجاز الحد الأدنى من الأعمال الموكلة (دون الالتزام بجدول زمنيّ معين)، وإرضاء المدير المباشر، وغير ذلك، أمورك بخير. ليس في يدِ إدارتي أيُّ صلاحيّات قد تهدد وجودي في وظيفتي. أنا “كموظف حكوميّ” بشكل كبير (غير قابل للفصل). الترقيات والعلاوات أمرٌ ثانويّ ليس بذات الأهميّة. يجب أن أرتكب جريمة شنيعة في حقّ عملي لكي يتم فصلي، وقد لا يتم!

تخيّل معي: وظيفة دائمة، مضمونة، راتبها معقول، عملها قليل، لا متابعة فيها للإنجاز اليوميّ أو الأسبوعي، المهام الموكلة عائمة وغير محددة، فيها برنامج صباحيّ “مضمون” مكوّن من الفول والتميس والشاهي والقهوة والسواليف، يتخللها ساعة  “غير مرخص بها” لاصطحاب الأطفال من المدرسة “مع إمكانية الغداء في البيت مع أم العيال”… لماذا لا أحظى بهذه الوظيفة؟ هذه وظيفة الأحلام.

من الطبيعي ألا يتقاعد أحد، ولا تتوفر الكثير من الوظائف للجيل الناشئ، وينحدر مستوى الإنتاج إلى الـ (صفر) في بعض القطاعات. للأسف، -واعذروني إن كانت كلمتي قاسية- ففي بعض الأحيان تصل إلى “بطالة مقنعة“!

أرى أنّ الأمان الوظيفي بصورته الحاليّة هو أحد أسباب البيروقراطية التي نعيشها، وأحد العوائق التي تحول دون تطوّر بعض قطاعات الدولة. إذا ما أردنا التطوّر، فلا بدّ من حساب الإنتاجية، ومحاسبة المقصّر، وتسريح المهمل من وظيفته (دون استثناء)، وإتاحة الفرصة لمن هو أفضل منه في الإنتاجيّة والإمكانيّات. يجب أن يعلمَ الموظف الحكوميّ أنّه قابلٌ للاستغناء عنه واستبداله في أي لحظة، إذا ما أهمل وقصّر في مهامه. وقتها، سنرى جيلاً مختلفاً من موظفي الحكومة، جيلاً نفتخرُ به.

مرةً أخرى أذكّركم: التعميم من آفات الخطاب. في كلّ مكان هناك المنجزُ والمقصّر. وفي كل دائرة هناك هامات شامخة أخذت على عاتقها القيام بوظيفتها، ووظيفة غيرها لديمومة عجلة التنمية. حديثي هنا عن المقصرين والمتخاذلين، و “اللي على رأسه بطحه ..“.

دمتم بخير 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.