حنا أهل الدين

لا شكَّ أن هذه البلاد هي عماد الدين في هذا الزمان. فيها قبلة المسلمين، ومسجد النبيّ الكريم (صلوات الله عليه)، ومنها تنطلقُ أكثر المبادرات والإعانات لبقية دول العالم الإسلامي. بلادنا بلادُ خير، ومنارة للإسلام والمسلمين، عسى الله أن يديم عليها الخيرَ والأمن والأمان.

وبما أنّنا اتفقنا على هذه النقطة، دعوني أدخل في صلب الموضوع…

نشأتُ “كأي شابة وشابّة وُلدوا وعاشوا في الزمن الحالي” على أنَّ ربي حبانا برسالة الدين القويم، الخالي من البدع والخرافات والشرك، وهذا بفضل الله ثم فضل رسالة المجدد “محمد بن عبد الوهاب رحمه الله”. كنّا قبل مجهوداته في كثيرٍ من الضلال والظلمات. شخصيّاً لا أعارض هذه الحقائق كلياً. لكن كجزءٍ من تنشئتنا (في المدارس، والأنشطة، وحلقات التحفيظ وغيرها)، عُلّمنا أننا محظوظون بهذه الرسالة، حين حُرمَ منها غيرنا. قيلَ لنا مراراً وتكراراً: (العالمُ الإسلامي كلّه يتخبط، الكلُّ يعبد الله على غير هدى، البدع قد أهلكت من حولكم، ولا توحيد إلا هنا، عندنا، في بلاد التوحيد. احمدوا ربكم أنكم نشأتهم في هذه البلد، لأن الضلال سيكون مصيركم إن نشأتم في بلادٍ أخرى، حيث البدع والفساد وانعدام والأخلاق و و و ….).

كطفل صغير، لم أملك إلا أن أؤمن بذلك. نتيجة لهذه التغذية المستمرة، من معلّم حصة التوحيد في المدرسة، ومن مشرفِ المكتبة، ومن إمام المسجد، ومن الملتزم من الأقارب، ومما تقع عليه يدي من مطوياتٍ وكتيباتٍ تُهدى لي من أحدهم. فكيف لي وأنا في مرحلة النشوء أن أشكك بذلك؟ لم يخبرني أحد بإن الخير موجود في كلِّ مكان، وأنّ الاختلاف في المذهب محمود وقائم ولا بأسَ فيه.

نتيجة لهذه القناعات، عشتُ في رفضٍ لكلَّ فكرة أو فعلٍ دينيّ غيرُ مصدَّق بختم “صنع في السعودية“، لأنّ -وبسبب ضعف وعيي في ذلك الوقت- أيَّ شيءٍ يتعلّق بالدين، مصدره خارج المملكة، فهوَ حتماً ملوّث. إذا حاول مدرس اللغة العربية “السوريّ” أن يحدّثني عن فقه الاختلاف، فإني أقفل أذني وعقلي صيانةً لهما “أو هكذا خُيِّل لي”، لأن فكرَ هذا المعلّم ملّوث. إن أراد معلم اللغة العربية “المصري” أن يخبرني عن قصة الإمام أحمد بن حنبل وخلق القرآن، فإني أنظر إليه ببصري، دون صوت (وضعية الـ Mute) لأنّه مسكين، في دينه شوائب، لم ينشأ في بلاد التوحيد.

عشتُ هكذا عمراً طويلاً، تمت مصادرة فكري وعقلي، وشكراً لانعدام وسائل التواصل الاجتماعي في ذلك الوقت، استمريت بهذه القناعة عمراً طويلاً. وأجزم بأن الأغلبية ممن نشؤوا في جيلي يحملون ذات القناعة، بشكل أو بآخر.

خلال سنوات الجامعة، شاركت في برنامج دولي مع طلاب الطب من مختلف الدولة العربية والإسلامية، كان مقرّه لبنان. هناك، ذُهلت! كلّ قناعاتي السابقة تعرضت لهزّة عنيفة. رأيت مسلمين، متمسكين بدينهم، في بلد مليء بالفتن والشهوات. في دولة قتلتها الطائفية، وشتتها التفرّقُ الدينيّ. لكن “ما ضرهم!”، فيهم حفظة للكتاب والسنة، فيهم العلماء الربانيّون، فيهم الخائفون على الإسلام والمسلمين، وفيهم الكثيييير ممّن هم أفضلُ مني علماً بالعقيدة والفقه، ومن هم أقوى منّي حجّة في الدفاع عن الإسلام وأهله (وكأنّ المقررات الإسلاميّة التي درستها طيلة اثنى عشرَ عاماً من التعليم العام قد تبخرت واختفت، مع وجود قناعة وحيدة بالية: حنّا أهل الدين!).

أدركتُ حينها أنّ ضيقَ الأفق، وضعف البصيرة، والجهل بأبجديّات الاختلاف والتقبّل، كانت مرضاً عانينا، ولا زلنا نعاني منه لأعوامٍ طويلة. نعم بلادنا بلادُ خير، ومنارةٌ للإسلام والمسلمين، وحصنٌ متينٌ لدين محمد (صلى الله عليه وسلّم)، لكن: متى امتلكنا الوصاية على دين الله؟ ومتى أصبحنا أسياد المسلمين والمتفردين بالصواب، وغيرنا تائه وصاحب إسلام “من درجةٍ ثانية!“. هذا -وإن أنكر البعض- مرضٌ تربويٌّ تفشى في ذلك الوقت، ولا زالت بعضُ آثارهِ ظاهرة وواضحة.

لا يا أخي الكريم، الإسلام ليس له وليّ، ولستُ أنا أو أنت بأهل الصوابِ فقط، وغيرنا في ضياعٍ وتيه. الإسلام أكبر من أن نكون أوصياء عليه، وأن نتفرد به دون غيرنا. هذه النظرة قيدتنا لسنين طويلة عن الالتحام كجسد واحد، وآن لها أن تزول.

في هذا الزمان، يجبُ أن نعتنق سياسة التقبّل، وننبذ سياسة الكره. كمسلمين، يجبُ أن نتّحد، لأن الإسلام يجمعنا، وما دون ذلك من الاختلافات فهي قابلةُ للنقاش والقبول أو الاحترام، لا داعيَ للكره والاختلافِ المذموم. يكفي عنصريّة دينية!

الكلام يطول في هذا الموضوع، ولا تكفيه تدوينة واحدة. لأنّي أطلت، سأتوقف عن الكتابة هنا، علّ حروفي قد أوصلت أفكاري بشكل صحيح.

دمتم بخير 😊

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.