الذكاء أو المثابرة؟

دائماً يأتي على بالي هذا السؤال. إذا يوماً كان في يدي قرار توظيف، وكانت الخيارات النهائية بين شخصين: أحدها حادُّ الذكاء، والآخر مثابرٌ ومجتهد، فمن أختار؟ طبعاً الأمور ليست بهذه البساطة، فـ “الذكيّ” الذي تقّدم للوظيفة ليس إنساناً كسولاً/لا مبالياً، و”المثابر” ليس شخصاً غبيّاً بلا ذكاء. هنا تأتي الصعوبة.

قبل فترة كنت أقرأ كتاب “Outliers” للكاتب “مالكوم جلادويل”. يتحدّث الكتاب عن الأشخاص الناجحين والاستثنائيّين، وكان يدرس الأسباب التي جعلتهم كذلك في مجالاتهم. ملخّص الكتاب أنّ كل نجاح استثنائيّ هو نتيجة لـ 1- الحدّ الأدنى من المهارة/الذكاء المطلوب. 2- استغلال الفرصة فورَ حصولها/توفر البيئة المناسبة لتنمية المهارة. 3- استثمار وقتٍ كافٍ لتطوير هذه المهارة أو العلم “يُؤمن الكاتب بقانون الـ 10 آلاف ساعة، حيث أنّ أيّ مهارة، تحتاج إلى 10 آلاف ساعة من الممارسة لتكون من الاستثنائيين في هذا المجال”. ولإثبات أهميّة هذه العوامل الثلاثِ مجتمعة، استشهد الكاتب بالكثير من الأمثلة لشخصيات استثنائيّة حققوا هذه الشروط الثلاث: الفرقة الغنائية البيتلز(The Beatles)، بيل غيتس- مؤسس مايكروسوفت -، والفيزيائي النظري جاي روبرت اوبنهايمر، وغيرهم الكثير.

و خلال استعراض هذه الأمثلة، يحاول جلادويل إثبات هذه النظرية. الحديث حولها يطول. لكن للإجابة عن السؤال في أوّل التدوينة، سأستعرضُ أحد أفكاره. يرى الكاتب أن الزيادة في مستوى الذكاء والعبقريّة”IQ” لا يتناسب طرديّاً مع احتماليّة نجاحك. ولإثبات ذلك، يستعرضُ جلادويل قصة كريستوفر لانغان، صاحب معدل الذكاء الخارق (195)، الذي انتهى به المطاف للعمل في مزرعة أحصنة في منطقة ريفيّة في ولاية ميسيروي. آينيشتين على الجانب الآخر، الذي يعدُّ من أكبر أعلام الفيزياء في هذا الزمان يمتلك معدل ذكاء لا يتجاوز الـ 160.

أي: زيادة في الذكاء، لا تعني احتماليّةً أكبرَ في النجاح، أو إضافةٍ أكبرَ لفريق العمل. الكثير منّا قد مروا بتجارب مع أشخاص حادّي الذكاء، أصحاب عقليّاتٍ خرافيّة، لكن ينقصهم الكثير من المهارات الأساسية للنجاح في أيّ مكان.

أعتقد بأن المثابر، المستعد للعمل الدؤوب لكي يحقق ما يريد، الباحث باستمرار عن المهارات والعلوم الأساسيّة لتطوير ذاته، هو إنسان أهم بكثييييير من صاحب معدّل الذكاء الأعلى. رأيتُ هذا خلال دراستي، ومسيرتي العلميّة والعملية القصيرة، وأراها كأفكارِ ونظريّات بين علماء النفس، وكتّاب السير.

هذه الفكرة تبعثُ على الطمأنينة بشكل كبير. حيث أنّ الذكاء “كغيره من الخصائص الممنوحة”، لا تضاهي الخصائص المكتسبة “كالاجتهاد والمعرفة”. فالنّجاح وتحقيق الأمنيات في يدِ الجميع. كلّ ما عليك أن تجتهد أكثر. طبعاً: ستكون محظوظاً إذا اجتهدتَ بذكاء!

دمتم بخير 😊

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.