المثاليّة أو الواقعيّة ؟

عشتُ لوقتٍ طويل في الماضي متعلّقاً بأفكارٍ ومبادئ مثالية. أنظر للعالم بعدسة ملوّنة. كلّ شيءٍ جميل، وكل الناس رائعون. أهدافي مثاليّة (فيها جزء من اللاواقعيّة)، وتوقعاتي من العالم والبشر من حولي عالية. أعيش على سحابة مرتفعة، بعيداً عن مشاكل الدنيا وإرهاصاتها، أحاول أن أصغّر السلبيات وأقلل من حجمها، وأكبّر الأشياء الجميلة، وأقترب من الأشخاص الجميلين. كنتُ أعيش في مثاليّة بحتة، وتفاؤل مطلق.

بالحديث عنها هكذا: لا بأس! التفاؤل جميل، والمثاليّة رائعة. لكن مع مضي الوقت، ودخولي في معمعات هذه الحياة، بدأت أدرك أنّ البقاء على المثاليّة، والسعي لها، ومحاولة تحقيقها، هو شيءٌ صعب، قد يهدم روحي، ويضعني -وجهاً لوجه- مع الكثير من خيبات الأمل. التفاؤل جميل، والمثاليّة رائعة، لكن بحدود !

من يومها وأنا أعتنقُ مبادئَ أكثر اتزاناً وواقعيّة. أرى الأمور بعدسة المنصف، وأحكم على الأشياء بناء على المعطيات المتوفرة لدي، لا على الطموح والأحلام. لأصدقكم القول، خفّت ألوان الحياة في نظري، وبدأت بتغيير بعض أهدافي وطموحاتي لأخرى أكثر واقعيّة، وأقل خيالاً ومثاليّة. حققتُ راحة نفسيّة ورضى بواقعي أكثر مما مضى، وخيباتُ أملي بالواقع والحياة أصبحت أقل.

بين الحين والآخر، يراودني هذا السؤال: هل يجب أن أعود للمثاليّة من جديد؟ هل يجب للحياة أن تتلوّن أكثر في ناظري؟ أتردد -جيئة وذهاباً- على هذا السؤال، وفي كلّ مرة يزداد التردد.

أحد مبادئي في هذه الحياة أيضاً: التوازن. الاعتدال في كل شيء هو من نعم الحياة. التطرّف “يميناً أو يساراً” لا يأتي بخير، في أيّ شيء. بدأت في تحقيق هذا التوازن في نظرتي للأمور. لا عيب في أن أعيش “مثالياً” لتحقيق أهدافي، بشرط ألا أنجرف في هذه المثاليّة، وأن أجعل الواقع والمعطيات الحاليّة نصب عينيّ.

نحتاج في حياتنا لأشخاصِ يحملون النقيضين: شخصٍ مغرقٍ في التفاؤل، وآخرَ شديد الوقعيّة. الأول سيحملنا على التفاؤل والحلم والطموح، والآخر سيبقينا بعيداً عن الأحلام اللامنطقيّة، وسيحمينا من خيبات الأمل، لأن أحلامنا كانت فوق المطلوب. لحياةٍ رائعة: أؤمن بأننا يجب أن نحمل العدستين في آن الوقت، لكي لا نركن إلى الواقعيّة، فندخل الرتابة والروتين والإحباط والتشاؤم. في ذات الوقت، نحتاج إلى تلك العدسة الأخرى لتبقي أحلامنا وطموحاتنا عالية ومرتفعة.

احرص على أن تحصل على “المثالي” و “الواقعي” في حياتك، فكلاهما مفيد، ولكل منهم زمانٌ ومكان.

دمتم متفائلين، بواقعية 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.