حنا أهل الدين

لا شكَّ أن هذه البلاد هي عماد الدين في هذا الزمان. فيها قبلة المسلمين، ومسجد النبيّ الكريم (صلوات الله عليه)، ومنها تنطلقُ أكثر المبادرات والإعانات لبقية دول العالم الإسلامي. بلادنا بلادُ خير، ومنارة للإسلام والمسلمين، عسى الله أن يديم عليها الخيرَ والأمن والأمان.

وبما أنّنا اتفقنا على هذه النقطة، دعوني أدخل في صلب الموضوع…

نشأتُ “كأي شابة وشابّة وُلدوا وعاشوا في الزمن الحالي” على أنَّ ربي حبانا برسالة الدين القويم، الخالي من البدع والخرافات والشرك، وهذا بفضل الله ثم فضل رسالة المجدد “محمد بن عبد الوهاب رحمه الله”. كنّا قبل مجهوداته في كثيرٍ من الضلال والظلمات. شخصيّاً لا أعارض هذه الحقائق كلياً. لكن كجزءٍ من تنشئتنا (في المدارس، والأنشطة، وحلقات التحفيظ وغيرها)، عُلّمنا أننا محظوظون بهذه الرسالة، حين حُرمَ منها غيرنا. قيلَ لنا مراراً وتكراراً: (العالمُ الإسلامي كلّه يتخبط، الكلُّ يعبد الله على غير هدى، البدع قد أهلكت من حولكم، ولا توحيد إلا هنا، عندنا، في بلاد التوحيد. احمدوا ربكم أنكم نشأتهم في هذه البلد، لأن الضلال سيكون مصيركم إن نشأتم في بلادٍ أخرى، حيث البدع والفساد وانعدام والأخلاق و و و ….).

كطفل صغير، لم أملك إلا أن أؤمن بذلك. نتيجة لهذه التغذية المستمرة، من معلّم حصة التوحيد في المدرسة، ومن مشرفِ المكتبة، ومن إمام المسجد، ومن الملتزم من الأقارب، ومما تقع عليه يدي من مطوياتٍ وكتيباتٍ تُهدى لي من أحدهم. فكيف لي وأنا في مرحلة النشوء أن أشكك بذلك؟ لم يخبرني أحد بإن الخير موجود في كلِّ مكان، وأنّ الاختلاف في المذهب محمود وقائم ولا بأسَ فيه.

نتيجة لهذه القناعات، عشتُ في رفضٍ لكلَّ فكرة أو فعلٍ دينيّ غيرُ مصدَّق بختم “صنع في السعودية“، لأنّ -وبسبب ضعف وعيي في ذلك الوقت- أيَّ شيءٍ يتعلّق بالدين، مصدره خارج المملكة، فهوَ حتماً ملوّث. إذا حاول مدرس اللغة العربية “السوريّ” أن يحدّثني عن فقه الاختلاف، فإني أقفل أذني وعقلي صيانةً لهما “أو هكذا خُيِّل لي”، لأن فكرَ هذا المعلّم ملّوث. إن أراد معلم اللغة العربية “المصري” أن يخبرني عن قصة الإمام أحمد بن حنبل وخلق القرآن، فإني أنظر إليه ببصري، دون صوت (وضعية الـ Mute) لأنّه مسكين، في دينه شوائب، لم ينشأ في بلاد التوحيد.

عشتُ هكذا عمراً طويلاً، تمت مصادرة فكري وعقلي، وشكراً لانعدام وسائل التواصل الاجتماعي في ذلك الوقت، استمريت بهذه القناعة عمراً طويلاً. وأجزم بأن الأغلبية ممن نشؤوا في جيلي يحملون ذات القناعة، بشكل أو بآخر.

خلال سنوات الجامعة، شاركت في برنامج دولي مع طلاب الطب من مختلف الدولة العربية والإسلامية، كان مقرّه لبنان. هناك، ذُهلت! كلّ قناعاتي السابقة تعرضت لهزّة عنيفة. رأيت مسلمين، متمسكين بدينهم، في بلد مليء بالفتن والشهوات. في دولة قتلتها الطائفية، وشتتها التفرّقُ الدينيّ. لكن “ما ضرهم!”، فيهم حفظة للكتاب والسنة، فيهم العلماء الربانيّون، فيهم الخائفون على الإسلام والمسلمين، وفيهم الكثيييير ممّن هم أفضلُ مني علماً بالعقيدة والفقه، ومن هم أقوى منّي حجّة في الدفاع عن الإسلام وأهله (وكأنّ المقررات الإسلاميّة التي درستها طيلة اثنى عشرَ عاماً من التعليم العام قد تبخرت واختفت، مع وجود قناعة وحيدة بالية: حنّا أهل الدين!).

أدركتُ حينها أنّ ضيقَ الأفق، وضعف البصيرة، والجهل بأبجديّات الاختلاف والتقبّل، كانت مرضاً عانينا، ولا زلنا نعاني منه لأعوامٍ طويلة. نعم بلادنا بلادُ خير، ومنارةٌ للإسلام والمسلمين، وحصنٌ متينٌ لدين محمد (صلى الله عليه وسلّم)، لكن: متى امتلكنا الوصاية على دين الله؟ ومتى أصبحنا أسياد المسلمين والمتفردين بالصواب، وغيرنا تائه وصاحب إسلام “من درجةٍ ثانية!“. هذا -وإن أنكر البعض- مرضٌ تربويٌّ تفشى في ذلك الوقت، ولا زالت بعضُ آثارهِ ظاهرة وواضحة.

لا يا أخي الكريم، الإسلام ليس له وليّ، ولستُ أنا أو أنت بأهل الصوابِ فقط، وغيرنا في ضياعٍ وتيه. الإسلام أكبر من أن نكون أوصياء عليه، وأن نتفرد به دون غيرنا. هذه النظرة قيدتنا لسنين طويلة عن الالتحام كجسد واحد، وآن لها أن تزول.

في هذا الزمان، يجبُ أن نعتنق سياسة التقبّل، وننبذ سياسة الكره. كمسلمين، يجبُ أن نتّحد، لأن الإسلام يجمعنا، وما دون ذلك من الاختلافات فهي قابلةُ للنقاش والقبول أو الاحترام، لا داعيَ للكره والاختلافِ المذموم. يكفي عنصريّة دينية!

الكلام يطول في هذا الموضوع، ولا تكفيه تدوينة واحدة. لأنّي أطلت، سأتوقف عن الكتابة هنا، علّ حروفي قد أوصلت أفكاري بشكل صحيح.

دمتم بخير 😊

النّاس أعداء ما جهلوا

قيل قديما: “الناس أعداء ما جهلوا“، وهذا صحيح. ففي مجتمعنا على وجه التحديد: نعارِض أيّ جديدٍ يطرأ على الساحة (تقنية، فكرة، مبادرة ..). نُفني وقتنا وجهدنا في محاربتها، ومحاولة صدّها، وكأنَّ هلاكنا وانتهاءنا سيكونُ على يدها.

عندما أتكلم عن حربها فإنّي أقصدُ معاداتها بالدين “الفتوى”، أو بالفكر “الرفض”. لا نتروّى أبداً، ولا نعطي أنفسنا الفرصة لاستكشافِ ما فيها من خيرٍ فنستفيد منه، وما فيها من شر، فنقوّمُه، أو نلغيه!

الأمثلة كثيرة، وقديمة. على طرف بالي: جوالات الكاميرا والبلوتوث في بداية نزولها. تحلّق مجموعةٌ من طلاب العلم المجتهدين حول شيخهم، وبدؤوا في سردِ العيوب والمصائبِ اللي تأتي من وراها. كان السؤالُ في مجلس الشيخ من ذاك المجتهد: “ما رأيك يا شيخ بجهاز يكشفُ العورات، ويحفظُ الصّورَ الخليعة، ويحثُّ على الرذيلة، ويلهي عن الصلاة والذكر و….” وقائمة طويلةٍ من عيوب الاستخدام. ما كان من الشيخ (لقلة علمه بهذه التقنية، وكونه لا يعرف عنها إلا ما سمعه من طلابه) إلا أن أصدر فتوى بتحريم اقتنائها وبيعها !! والحقيقة أنّ هذا الشيخَ غير ملام، وملامٌ جزئيّاً في ذات الوقت. فالفتوى تعتمد على تحريم ما تمّ إعلامه به (والحكم واضح من صيغة السؤال). لكن هو كذلك مطالب بمعرفةِ مصداقيّة النّاس وطلبة العلمِ من حوله، والتأكّدِ من جميعِ أوجهِ السؤال (حيثُ أنَّ النظرة الضيّفة التي تمَّ تقديمُ السؤال فيها غير وافية، وليست عادلة). وبالمثالِ يتضّحُ البيان. أستطيعُ أن أسأل عن حكم جهازِ يُستخدم لتكبيرِ صوت الغناء، وإحياءِ الحفلات الماجنة والمختلطة، وتسجيل المنكرِ، ونشرِ الرذيلة وووو. لِزامٌ على الشيخ (إذا اكتفى بكلامي فقط) أن يحرّمَ المايكروفون الذي يستخدم لرفع صوت الأذان والصلاة، وتسجيل المحاضرات الشرعيّة، وإقامة الندوات المفيدة وغيرها من الاستخدامات المشروعية والمباركة!

 هذا مثال للرفض الديني. والأمثلة للرفض الفكري كثيرة جدّاً.

الذي أريدُ أن أقوله: دعونا نعد للـ 10 قبل أن نطلق أحكامنا “جزافا”، ونرفض كل جديد. لا أحاول أن أقنعكم بقبول كلِّ شيء، لا! هكذا نكون أهملنا العقل والمنطق. القبول التامّ لكل شيءٍ جديد هو بذات الخطورة، أو أشد. لا يجب أن نكون كذلك إمّعات مقلدين، منسلخين من كلّ دينٍ ومبدأ.  لكن يجب أن نتروّى، ونحكم بعين المنصف، ونستأنسَ برأيِ الخبير، ونسمع تجاربَ من سبقونا، ثمَّ نُصدرُ حكماً عادلاً متّزناً، دون إفراط او تفريط!

دمتم بخير 😊

باكورة

هذه هي التدوينة الأولى لي في منصة WordPress. كنتُ من مستخدمي Blogger التابعة لِ Google منذ بداياتي في التدوين. لكن منذُ بدايتي في “بلوقر” إلى يومنا هذا، لم أشهد أي تطوير في المنصة، ومن فترةٍ طويلة وأنا أفكّر بالانتقال، همّي الأكبر كان الإرثُ الكتابيّ العظيم الذي سأتركه خلفي في تلك المدونة العتيقة (يخلف الله :p). على كل حال، تبيّن لي أن الموضوع سهلٌ جدّاً، وأن الانتقال بين المنصّتين لا يستغرقُ أكثر من 10 دقائق. شكراً للتقنية المباركة.

فها أنا ذا، بخربشاتي القديمة، في بيتي الجديد، أقول بسم الله، وحيّاكم الله. شكراً لمبادرة/تحدي أبريل: #30يوم_تدوين الذي حمّسني لهذا الانتقال.

black-brown-rubber-cal-door-mats-10-106-020-64_1000

 

مُرهقٌ من نقل العفش والتعزيل من مكان إلى مكان آخر. ولا يزال أمامي الكثير من الترتيب في البيت الجديد، ومحاولاتٌ لاكتشاف أركانه وزواياه. فأعتذرُ منكم عن عدم الكتابة في موضوعٍ جديد. اعتبروها “تسجيل حضور” و “نِزالة البيت الجديد” الله يبارك فيك.

نورتوا وحياكم الله 🙂

لا تشغلونا !


النقد البنّاء من أهم ركائز العمل المؤسسي، وأفضلِ وسائل التطوير والتحسين. لا بدّ أن يكون لنا في كلّ مشروع آليّة لتقيدم النّقدِ وإبداءِ النصائح للوصول إلى نتيجة أفضل، حيثُ أنّ استقطاب “عقلٍ”وإضافيّ، و “وجهة نظرٍ أخرى”، لها فائدة كبيرةٌ على المحصّلة النهائية للمشروع.

النّية من خلف النقد، والقالب الذي تُقدّم فيه النصيحة، هي عواملُ مهمّة لهذا النّقد أن يتمَّ تقبّله والاستفادةُ منه. أكيد، النّقد اللاذع، والانتقادُ بِدافعِ الحسد، ستقودُ إلى نصيحةٍ جافّةٍ بلا فائدة، حتّى او أنّها كانت في محلّها.

لن أتكّلم عن فوائد النصيحة أو طريقة تقديمها. لكنّي سأتحدّث عن موضوعٍ آخرَ قد عانيت منه خلال حياتي القصيرة.

عندما تبدأُ حياتك العمليّة بالإشرافِ على مبادرة، أو القيامِ بوظيفة معيّنة، ستُواجهُ -حتماً- بعضَ المنظّرين والمتفلسفين، أشخاصٌ لا يمتلكون أيَّ إنجازاتٍ ملموسةٍ في الحياة، ولا خلفيّةٍ علميّةٍ أو عمليّةٍ في الموضوع، شُغلهمُ الشّاغلُ الحديثُ في كلّ محفلٍ ومنصّةٍ عن إنجازاتكَ وإظهارِ عيوبها والتنقيص من شأنها. في الأغلب، هؤلاء الأشخاص لا يبحثون عن التطويرِ أو التحسين. إمّا أنّ دافِعهم الحسد، أو أنّهم أشخاصٌ غيرُ منتجون، اعتادوا على الحلطمة والعويل والسلبيّة.


من المؤسف أنّ شبكات التواصلُ الاجتماعي قد أصبحت في يدِ الجميع، وأيُّ فردٍ في المجتمع له القدرةُ على الحديثِ عن أيّ موضوع يريده، سواءً كان ذا أهلٍ للحديث أو لم يكن. ومن المؤسفِ أيضاً، أن هذا الفردُ قد يكونُ متبوعاً بقطيعٍ لا آخرَ له من الأشخاصِ الذين يفتقدون إلى الخبرةِ والمعرفةِ اللازمة لانتقادِ أيِّ شيء. وفّرت شبكات التواصل الاجتماعيّ “حريّةً مزيّفةً” للحديث، حيث أصبح لكلِّ شخصٍ منبر، وصار في يدِ كلّ فردٍ “مايكروفون”.

لماذا أتحدّثُ عنهم؟

لأنّك إن قررت أن تكون من العاملين والمنجزين، فإنّك ستصادفُ هذا الفرد كثيراً، وإن سمحتَ له، فإنّه (وقطيعهُ الذي يتبعه) قد يثبطون من عزيمتك، ويقللون من حماسك، وفي الحقيقة أنّ كلامهم لا محلّ له من الإعراب.

إلى أن نصلَ إلى وقتٍ تكون فيها”حريّة الخطاب” مقننّة ومحاسبٌ عليها (إن كانت مسيئة)، وأصبحَ النّقدُ بنّاءاً ممّن يعنيهم الأمر، فيجبُ عليكَ أن تتعرّف على من يهمّك نقدهُ ونصحهُ، وتأخذَ به، ثمَّ تتجاهل رأيَ البقيّة المنبطحةِ في الاستراحات، والمهجولين، والمنظرين، أصحاب اللاخبرة، ومن لم ينفع المجتمع والوطن بشيءٍ منذُ أن خُلِق على وجهِ البسيطة. أبقِ أذنكَ صاغيةً لمن يستحق، ثم “طنّش” البقيّة، وقل لهم: لا تشغلونا!

دمتم بخير 🙂


حبّة حبّة


نقفُ في كثيرٍ من الأحيان على لحظاتٍ مفصليّة في حياتنا، نصلُ فيها إلى القاع، حالتنا النفسيّة، والصورة التي نرى فيها ذواتنا، تكون في أسوء أحوالها. ضغوطُ الحياةِ تجبرنا على أن نصل لهذه المرحلة مرة واحدةً على الأقلّ في رحلة الحياة. 

ردّةُ الفعل المعتادة للنهوض من هذه اللحظة، هو التغييرُ الجذريّ لحياتنا. إن أنت يوماً طلبت النصّح من أحد، أو كنتَ محظوظاً بوجودِ شخصٍ رائع يهتمُّ بك في حياتك، فإنّ كلَّ تركيزك وتركيزهم ينصبُّ على الإشارة إلى عيوبِ الماضي، ومحاولة تغييرها جذريّاً. هذه ردّة فعل طبيعيّة؛ لأنّنا عندما نصلُ للقاع، فإننا نبحث أن أي شيء لنلقيَ اللوم عليه، أيّ عادةٍ أو علاقة سيئة كانت هي السبب في إخفاقنا إو انجرافنا بعيداً عمّا تمنّيناه وخطّطنا له.

في الواقع، أن هذه النقطة من حياتنا هي تراكماتٌ للكثير من الضغوطات والظروف في حياتنا، والتي -ليست بالضرورة- من محض إرادتنا، أو بسبب قراراتٍ شخصيّة. ببساطة، قد تكون الحياة قاسيةً في ذلك الوقت، أو أنّ الأقدارَ لم تكن في مصلحتك، بينما أنت “بقراراتك وأفعالك” لم تقم بأي خطاً، يعني “ما فيك إلا العافية“.


محاولة التغيير الجذريّ منطقيّة في هذه اللحظات؛ لأنّه من السهل إلقاء اللومِ على شيءٍ محسوس (صداقة، أو عادة شخصيّة). وبإلقاء اللّومِ يُعرفُ السبب، وإذا عُرِفَ السبب، بطُلَ العجب وارتاحت النفس.
لكن هذا ليس حلّاً صحيحاً، ولا أظنُّ أنها طريقة تفكيرٍ منطقية (إلا إن كانت هذه العادة أو الصداقة -بالفعل- هي السبب في المشاكل).
ليش طيب؟
لأنّك عندما تلقي اللّوم، وتحاول تغيير هذا السبب أو تزليه من حياتك، ثم تبدأُ من جديد، وتكتشف أنّ شيئاً لم يتغيّر، فإنك ستعود لنفس المرحلة من الإحباط والاكتئاب. ببساطة، لم تجد ضالّتك.

التغيير لا يأتي بالجملة. التحسين الذي يدوم ويكونُ أصله راسخاً، لا يأتي إلا بالهدوء، حبّة حبّة. حاول أن تتوقف عن محاولة تغيير كلّ شيءٍ في داخلك، وكلّ شيءٍ حولك، فأنت لم تصل إلى ما وصلت إليه من نجاحٍ وإنجازات إلا بسبب صفاتٍ فريدةٍ في شخصيّتك، وعلاقاتٍ مميّزةٍ مع النّاسِ من حولك. لا تحاول تغيير كلّ شيء. تمهّل، وأدرِك أنّ الظروف الخارجيّة تحدث، قد لا يكون العيبُ فيك أنت. حاول أنت تنهض من جديد، وإن أردتَ أن تغيّرَ شيئاً، فابدأ بهدوء، خطوةً بخطوة. وتذكّر: أنّ ما يأتي سريعاً، يذهبُ سريعاً.

دمتم بخير 🙂

أبو زنيفر

بعض الخصالِ والصفات إن وجدت في الصديق، فإنها تجعلُ استمرارية الصداقة أمراً صعباً. لكلّ منّا صفات يحبّذها في صديقه، وصفاتٌ يتمنّى زوالها. شخصيّاً: من أكره الصفات وأبغضها إليّ: “التشرّه والعتاب“. 

الشَرَه هي عادة شائعة في مجتمعنا، قد يعتبرها البعض جزءاً من التعبير عن المحبة والحرص. هي خصلةٌ لا بأس بها إن قلّ حدوثها، لكنّها من أسوء أحلامي إن كانت طبعاً متكرراً. 

ذلك الصديق الذي لا تبدأ السواليف معه إلا بـ (وينك ياخي ساحب علينا؟) و (ليش ما ردّيت عليّ ذاك اليوم) أو (يوم طلعت مع فلان ما علمتني أطلع معكم، زعلان علي؟)، كلها أمثلة للعتاب المذموم. 

وجود الصديق المُفرطِ في العتاب حولك، أشبه بالمحقق المزعج، والشخص (البثِر). تماماً كشخصية “أبو زنيفر” في طاش ما طاش. في كلّ مرة ترى اسمه في جوالك، أو تخطط للقائه، فإنك تستجمع طاقة الدنيا كلّها لكي تردّ عليه أو تقابله. مع مرور الوقت، ستجدُ نفسكَ تتجنب الحديث معه، أو الوجود بقربه، لأنَّه ببساطة: طاقة سلبية!


نعم، أعلمُ أنّه قد يكون حريصاً عليك، أحياناً يحبّك لدرجة الأخوّة، لكن قطعاً، هذا الأسلوب هو الأسوء والأشنع للتعبير عن المحبة.

ماذا لو: بدلاً من أي يبدأ الحوال “ياخي لي شهرين ما شفتك ولا ترد على الجوال، تراي مشتاق لك“، أن يقول شيئاً مثل: “أعرف إنك مشغول الله يعينك، مشتاق لك“. نفس الرسالة، وشتّان بين الأسلوبين. الأول شديدُ الاستفزاز، والآخر جميلٌ وعذب.

من المؤسف والمحزن، أنّنا أحياناً ننهي بعض الصداقات، أو نفرُّ منها، فقط لأن هذا الصديق شديد العتاب واللّوم. متأكدٌ أنّ الأغلبيَّة من المُعاتبين لا يقومون بذلكَ إلا من طيبةٍ زائدة، وحبٍّ خالص، إلا أنَّها تظلُّ عادةً سيئة، وخصلةً قبيحة، إن تجاوزت الحدَّ المطلوب.


من المفترض أن نلتمس العذر للصديق، لا أن نعاتبه، وأن نتفهم ظروفه، لا أن نغضب من غيابه. ورد في الأثر (إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره، فالتمس له عذرًا واحدًا إلى سبعين عذرًا، فإن أصبته، وإلا، قل: لعل له عذرًا لا أعرفه).

أعجبتني أبياتُ للشاعر خليل بن هدلان:

هذا الزمن لا عاد تشره على الناس   ***   ولا تعاتب كـــل مـــا شـــفـت زله
كثر التشره والعتب يوجـــع الـــراس  ***   من جاز لك جِز له ومن شان خَله

دمتم بنفوسٍ مطمئنة 🙂


الأمان الوظيفي

أن

كلُّ واحدٍ منّا قد زار يوماً أحد القطاعات الحكومية في بلدنا المباركة، لمتابعة معاملةٍ شخصية له أو لأحد أفراد أسرته. البعض منّا قد تردد على القطاعات الحكوميّة أكثر من غيره، لأن ظروف حياته حتّمت عليه ذلك. ومن تجربةٍ شخصيّة، بعد عددٍ معيّن من المعاملات، فإنك تصاب بالـ (فوبيا) بمجرد تذكّر موعدك في ذلك القطاع لإنهاء المعاملة. شخصيّاً، مستعدٌّ لدفع مبلغٍ معيّن (حتى لو كان مبالغاً فيه) لتوكيل شخصٍ آخر بالذهاب وإنهاء كافة الإجراءات نيابةً عنّي.

نعم، القاطاعات الحكوميّة قد حققت تقدّماً ملحوظاً ومشكوراً في كثيرٍ من دوائرها. المعاملة التي كانت تستغرقُ شهراً وجهداً عظيماً قبل عشرِ سنوات، صارت قابلة للإنجاز الكترونيّاً من منزلك في دقائق. هذا -يا جماعة الخير- جهدٌ مبارك، وتطوّرٌ عظيم، نشكرُ وطننا الغالي عليه.

لكن، إن كنت تحتاجُ إلى القيام بمعاملة لا تخضعُ للتنظيم الالكترونيّ، أو أنّك بالحاجة إلى بعض الاستثناءات، فقد عُدتِ إلى المربع (صفر)، من حيثُ ابتدأنا. 
لماذا التجربة صعبةٌ ومريرة؟ لماذا هذا الخوف وهذه الرهبة من مراجعة القطاعات الحكوميّة؟ هل هو سوء في النظام؟ أم هو نقصٌ في الكوادر؟ أم هناك أسبابٌ أخرى؟

باعتقادي، ومن تجربة طويلة كـ “مُعَقِّب” في القطاعات الحكوميّة، فإن تجربتك في كلّ مرة تعتمدُ اعتماداً كليّاً على الموظف المسؤول عن معاملتك. المعاملة ذاتها، في القطاع ذاته، قد تنتهي بدقائق وأنت في قمّة السعادة والراحة، وقد تأخذُ أيّاماً عدّة، مولّدة في داخلك الشديد من الغضب و “الغبنة” باختلاف الموظف المسؤول.

يعني، الموظف الحكومي من أهم العوامل التي قد تغيّر مستوى الإنجاز ورضى المراجع في أي قطاع. طيّب، ما الذي يجعل الموظف الحكومي أقلّ إنجازاً، وأكثر (لا مبالاة) من نظيره في القطاع الخاص؟

في ظنّي، الأمان والاستقرار الوظيفي من أهم الأسباب التي تقود إلى اللامبالاة وبطء الإنجاز. الأمر منطقيّ: الراتب مضمون في آخر الشهر، مطلوبٌ منّي فقط الحضور والإنصراف في الموعد، إنجاز الحد الأدنى من الأعمال الموكلة (دون الالتزام بجدول زمنيّ معين)، وإرضاء المدير المباشر، وغير ذلك، أمورك بخير. ليس في يدِ إدارتي أيُّ صلاحيّات قد تهدد وجودي في وظيفتي. أنا “كموظف حكوميّ” بشكل كبير (غير قابل للفصل). الترقيات والعلاوات أمرٌ ثانويّ ليس بذات الأهميّة. يجب أن أرتكب جريمة شنيعة في حقّ عملي لكي يتم فصلي، وقد لا يتم!

تخيّل معي: وظيفة دائمة، مضمونة، راتبها معقول، عملها قليل، لا متابعة فيها للإنجاز اليوميّ أو الأسبوعي، المهام الموكلة عائمة وغير محددة، فيها برنامج صباحيّ “مضمون” مكوّن من الفول والتميس والشاهي والقهوة والسواليف، يتخللها ساعة  “غير مرخص بها” لاصطحاب الأطفال من المدرسة “مع إمكانية الغداء في البيت مع أم العيال”… لماذا لا أحظى بهذه الوظيفة؟ هذه وظيفة الأحلام.

من الطبيعي ألا يتقاعد أحد، ولا تتوفر الكثير من الوظائف للجيل الناشئ، وينحدر مستوى الإنتاج إلى الـ (صفر) في بعض القطاعات. للأسف، -واعذروني إن كانت كلمتي قاسية- ففي بعض الأحيان تصل إلى “بطالة مقنعة“!

أرى أنّ الأمان الوظيفي بصورته الحاليّة هو أحد أسباب البيروقراطية التي نعيشها، وأحد العوائق التي تحول دون تطوّر بعض قطاعات الدولة. إذا ما أردنا التطوّر، فلا بدّ من حساب الإنتاجية، ومحاسبة المقصّر، وتسريح المهمل من وظيفته (دون استثناء)، وإتاحة الفرصة لمن هو أفضل منه في الإنتاجيّة والإمكانيّات. يجب أن يعلمَ الموظف الحكوميّ أنّه قابلٌ للاستغناء عنه واستبداله في أي لحظة، إذا ما أهمل وقصّر في مهامه. وقتها، سنرى جيلاً مختلفاً من موظفي الحكومة، جيلاً نفتخرُ به.

مرةً أخرى أذكّركم: التعميم من آفات الخطاب. في كلّ مكان هناك المنجزُ والمقصّر. وفي كل دائرة هناك هامات شامخة أخذت على عاتقها القيام بوظيفتها، ووظيفة غيرها لديمومة عجلة التنمية. حديثي هنا عن المقصرين والمتخاذلين، و “اللي على رأسه بطحه ..“.

دمتم بخير 🙂

من نسجِ خيالي


أتصفّح ملفات الملاحظاتِ القديمة في جوّالي، والأوراقِ المبعثرةِ التي احتفظتُ بها منذ زمنٍ طويييل (يهيّأُ لي أنّها منذ قرونٍ مضت)، فأرى الكثيرَ من الخربشاتِ والمحاولات. فضفضةٌ من هنا، ونصٌّ أدبيٌّ من هناك. حروفٌ سعيدة، وأخرى مغرقةٌ في الحزن. كلماتٌ متفائلة، وأخرى شديدة التشاؤم والسوداويّة. كلّها تمثّلني بطريقة أو بأخرى، بجميع أطيافها وأضدادها. لا ينبغى أن أبقيَ الجميل المشرق، وأتخلى عن الحزين المُعتِم، فكلّها ساهمت في وصولي لما أنا عليه الآن. ممتنٌّ لجميعها، وفخورٌ بكلّها.

من بين تلك النصوص، حروفٌ عَنها، يومَ أن كانت حُلُماً..


————————–

قالت لي وبكلِّ عذوبة:
يا فارسَ أحلامي: لا ترحلْ ..
يا مالكَ آمالي: لا ترحلْ ..
إنِّي أرجوكَ .. وأرجوكْ ..
أن تبقى دوماً في قُربي ..
بفِراقِكَ يوماً: لن أقبلْ !!
——–
يا كُلَّ حياتِي: ابقَ هُنا ..
دعنا ننظُر في القَمرِ ..
ونُطالِعُ ما يحملِهُ القدرُ ..
نفني الأيَّامَ .. ولا نَفنى ..
نحيى في حبٍّ لا يبلى ..
نبقى في حُلمٍ ورديّ ..
لا نذوِي يوماً أو نذبُل !!
——–
يا مالِك قلبي: طاوِعني ..
فلنرسُم ما حِكنا من أملٍ ..
في لوحةِ حبٍّ أسطُوريّ ..
ودمي ألوانٌ للوحَة ..
وعرُوقي بِئرٌ لا ينضَبْ ..
خُذ مِنها حتّى أن ترضَى ..
بِدَمي تغدُو اللَّوحة أجملْ ..


——–
يا مالك قلبي: افْهمني!
لن أحيى أبداً في بُعدك ..
لن أرضى أبداً إلا بِك ..
وإن كُنتَ مصرّاً أن ترحل ..
فلتأخُذ قلبي في صِدرك ..
ولتنزَع روحي من جسدي ..
فلستُ بِبُعدك إلا جَسداً ..
تنقُصُه الروحْ ..
بحياتِي .. دونك ..
لن أقبل!!
——–
……
أصحى من حُلمِي فزِعاً ..
أنظرُ حَولي ..
أسمعُ صمتاً!!
ويْلِي ..
إنَّكِ من نسجِ خيالي ..
مجرد حُلم ..
ربّاه!!
اجعلها حلماً يتجلّى ..
اجعلها حبّاً يتمثل !!

————————–

مضت الأيام والأعوام، واستجاب الربُّ ابتهالاتي إليه. فالحمد لله على كلّ نعمه.


دمتم بخير 🙂

جنون الشهرة

مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة، نشأ بين الناس هوسٌ عجيب، ومرضٌ معدٍ. بدأ الناسِ إمّا بالسعيِ نحو الشهرة، أو الركض خلف المشاهير. لا يهمّ ما هي رسالتهم، أهدافهم، طرقهم، أو حتى شرعيّة وأخلاقيّة ما يقدمونه. أصبح ثقلُ كلّ شخصيّةٍ بعدد المتابعين لها، وأهميّةُ كلّ شخصٍ بعدد “السنابيين” خلفه. صار حجم النطاق الذي يأثرون فيه، وسعة الدائرة التي يصلون إليها، أهمّ من أيّ شيءٍ أخر.

صارَ مشهور التواصل الاجتماعي محلّ الاحترام والتقدير والاحتفاء. في كلّ مناسبة تجدهُ على أول قائمة المدعوّين، وفي كلّ محفل وفعاليّة، يتصدّر المجلس مع كبار القوم. لا يهمّ من أين أتى ذلك الشخص، وماذا يقدّم، وكيف يحصل على شهرته، المهم “كم شخصاً يتابعه؟”. لا يهمّ إن كان إمّعة بلا مبادئ، ولا يهمُّ إن كان خالياً من أبجديّات القيم والأخلاق، ولا يهمُّ إن كان طفلاً جاهلاً مغرراً به يتمُّ توجيهه يمنة ويسرة، ولا يهمّ أيضاً إن كان صاحبَ لسانٍ سوقيّ وألفاظٍ قبيحة. كلّ هذا لا يهم، الذي يهمّ فقط هو “كم شخصاً يأتي خلفه”.

لماذا أسميته جنوناً؟

لأنّه تمكّن من الجميع. المعايير كلّها انقلبت. المشهور، ومن يتابعه، ومن يقوم بدعوته، كلّهم في غفلةٍ عمّا يفعلون. منظم الحفل هذا، أو صاحب المشروع ذاك، وإن كان شخصاً مِن عِليةِ القوم، ومن وجهاء المجتمع، لكنّه في نهاية المطاف يريد التسويق لمنتجه “أيّاً كان ذلك المنتج”، والسوق لا يستمع إلا لهؤلاء المشاهير. فتجده يتنازل عن كلّ ما يمتلكه من مبادئ، لكي يروّج لسلعته مهما كان الثمن.

اختفى من الساحة حامل الرسالة، وصاحب المبدأ. لا مكان للمثقف اللطيف، والمبدع المحترم. لأنّ ساحة المنافسة باتت كحرب العروش “Game of Thrones“، لا مجال لمن يلعب باحترام، ويحترم قواعد اللعبة.
حتى ذلك المشهور المحترم صاحب الرسالة النبيلة، هو مجبرٌ لأن يتنازل عن بعض مبادئه، فلا بدّ أن يجلس يوماً مع المشاهير الآخرين -زملاءِ المهنة-، يجب أن يجاملهم، ويصوّرهم، ويستظرف معهم، وإلا فلا مكان له.

ثمّ إنّ كثيراً منهم بلا ولاءٍ ولا مصداقية. فالشهرة قد أضحت تجارة. وفي غياب الرسالة، فكلّ واحد منهم مستعدٌّ للترويج لمن يدفعُ أكثر. بغضّ النظر عن جودة ما تريدُ أن تقدّمه: “إذا كنت صاحب الريال الأوفر، فجيوشي في شبكات التواصل هم تحت أمرك”.

إنّه كالطاعون، أصاب المجتمع في كلّ جوانبه. المشهور، والمتابعُ، والمسوّق، كلّهم قد فقدوا البوصلة، وأضاعوا الرسالة. أحياناً تحسُّ أن العالم أجمع قد أصابه الجنون، وأنّك أنت العاقل الوحيد. لكن مع تفاقم المشكلة، وتدهور الحال، فإنّي أبدأُ باعتقادِ أنّ الحاصل الآن هو الصواب، وأنّي إلى الآن في دوّامة الماضي، ويجبُ عليَّ أن أواكب العالم الجديد.

طبعاً وبكل تأكيد: التعميم من آفات الخطاب. هناك ثروات وطنيّة على شبكات التواصل الاجتماعي. شبابٌ وشابّات جعلوا الرقيَّ بالدين والوطن هدفهم الأعلى، لا يساومون على البلد وممتلكاته، ولا تؤثر الشهرة والمال في الرسائل التي ينشرونها عبر حساباتهم. هذه النوعية من المشاهير هي قلّة للأسف، ويعانون في الوصول للقاعدة الجماهيرية التي يستحقونها، لأن السوق مليء بالمشاهير المزيفين.

أعتقدُ أنّ الملام الأول والأخير هو نحن: المجتمع. فنحنُ من مكّناهم وأشهرناهم، سواء بالدعاية الإيجابية أو السلبية. لو أننا تجاهلنا كلّ من لا يحمل في جعبتهِ رسالةً راقية، ومبدأً نبيلاً، لما سادوا ولا انتشروا كالوباء في عالمنا الافتراضي والحقيقيّ.

الإعلام الجديد، ومشاهير وسائل التواصل الاجتماعي، سلاحٌ ذو حدّين، يكون ذا منفعةٍ كبيرة إذا ما أحسنّا استخدامه. هو كذلك وسيلة لهلاكنا إن نحنُ مكّنا الجهلةَ والسوقيّين.

دمتم بخير 🙂

ذكريات طفولة

خلال تصفحي للمدوّنة، وجدتُ هذه التدوينة في المسودّات، قابعةً هناك منذ العام 2015. لا أدري لماذا لم أقم بنشرها! وبسبب حاجتي لتدوينةٍ جديدةٍ يوميّاً مع مبادرة #30يوم_تدوين ، أعتقد أنّي لن أرفض أيّ مكتوب، قديمٍ أو حديث.

لن أخطَّ هنا أي حكمٍ أو دروسٍ تعلمتها في هذه الحياة، ولن أسطِّر تجارباً عشتها قريباً وغيّرت فيني الكثير. لذلك، أنصحك بأن تتوقف الآن إن كنت تبحث عن شيء من هذا القبيل !
كان من المفترض أن أقوم ببعض الأعمال المتعلقة بعملي ودراستي الطبية، لكن المزاج لم يكن على توافق مع هذه الأشياء، فآثرت الخربشة..


قبل يومين، جلست مع أبي وأمي على “قهوة المغربية” وَحدنا، وبدأنا نتجاذب أطراف الحديث، تعليق ساخر من هنا، و ردٌّ ناريٌّ من هناك، والحرب سجال.
وعندما حمي الوطيس، و كدت أن أغلبهم بسلاطة لساني، جاؤوا بالسلاح الذي لا أستطيع أن أحتمي منه، جاؤوا بذكريات ولادتي..

في الشهر الأخير من حمل والدتي بي، اكتشف الأطباء أني أعاني من تضخم من الكلى، وأن والدتي تحتاج للتنويم المباشر، مع احتمالية أجراء عملية لي بعد ولادتي مباشرة. أمي -أطال الله في عمرها- أصابها القلق الشديد عليّ، وكذلك أبي. تيسرت الأمور وأُدخلت والدتي إلى المستشفى. تمت الوالادة، وتم تنويمي بعدها في جناح العناية المركزة للمواليد، وفي ظرف أيام اُُجرت لي العملية، وتكللت بالنجاح ولله الحمد. طيب، أين صعوبة الموقف؟ وأين النقطة الحرجة التي يقصفني أهلي بها كل مرة؟ سأخبركم !!

هي في الواقع نقاط كثيرة..

الوالدة حفظها الله: تبدأ في التشكي من التعب الذي سببته لها خلال ولادتي، وبعدها. فقد اضطرت أن تصاحبني طيلة فترة تنويمي في المستشفى “أربعين يوماً”، تخللتها إجازة عيد الفطر. لسان حال أمي: من ولادتك وأنت بثر !!
أعلم أن أمي بقلبها الحنون ما كانت لتمنَّ علي بشيء، لكن من باب الظرافة والدعابة.

موقف آخر: الممرضات في الحضانة، كانوا يخبرون أهلي أن هذا ليس بمولود رقيق كبقية المواليد، لكثرة صراخي وبكائي بصوت عالي. كانت الممرضة تقول لأمي دائما: “هذا ما فيه بيبي، هذا رجال، ايش هذا؟!!”. طيب، أنا ما ذنبي أنّي وُلدت رجلاً مسؤولا ؟!!!



الموقف الأخير: أحد خالاتي -سامحها الله وغفر لها قسوتها علي-، كانت تقول لأمي: “تصدقين يا أخيّتي، ما فيه براءة أطفال !!!”. لا حول ولا قوة إلا بالله، أنّى لصبيٍّ يسمع هذا الكلام ثم لا يصاب بعقدة نفسية لبقية حياته؟!! واستمرت ذات الخالة على رأيها، بأني خالٍ من أي ذرة من البراءة، حتى يومنا هذا. لا أقول إلا، إلى الله المشتكى ..
بعد هذه النقاط التي يوردها أهلي، لا أملك إلا الصمت، فردودهم في كل مرة بهذه المواقف، تكون بمثابة الحروف الملجمة، لا نطق بعدها، خصوصاً إذا حضر النقاش أحد إخوتي، وقتها: الله يكفيكم شر الشماتة والطنازة !!

من عجائب الأقدار:
قضيت أول أيامي في هذه الحياة، في ذلك المستشفى، مستشفى الملك خالد الجامعي. وتمضي الأيام، ويكتب الله أن أعود للدراسة فيه بعد عشرين سنة !!
الأطباء الذين أشرفوا على حالتي وقتها وأنا طفل رضيع، هم أعضاء هئية تدريس إلى هذه اللحظة. بدؤا معي حياتي يصلحون ما اعتلّ من صحتي، وها هم الآن، يُقوِّمون علمي وخلقي، لأخرج للحياة، مستعداً لخوض غِمارها. سبحانه، إنها أقداره التي لا تكون إلا لخير..

يقطع كل هذه التأملات الروحانية، صوت أخي وهو يقول: ياااا بثرك يا محمد ،، ما فيييه برااااءة ..
أبتسمُ، وأحمد الله على نعمه. وأخرج من ساحة النقاش ، مطأطئاً رأسي، لأحافظ على كرامتي، أو ما تبقى منها ..