عيش الكفاف


لكي لا أخسرك في بداية التدوينة، سأبدأ بكلام منطقي وواقعي بعيد عن المثاليّات، لأنّي -كمعظم الناس- سئمتُ من المثاليات المصطنعة.
وفرة المال، تجلب السعادة، وكفى!
لا نعيش في عالمٍ أفلاطونيّ، نخادع فيه أنفسنا، ونكذب فيه على أبنائنا. لا حاجة للكليشات “المال شيءٌ سيء” أو “الفلوس تجلب التعاسة”. لا داعيَ للنفاق والمعايير المزدوجة. لنقلها بصراحة ووضوح: وفرة المال تجلب السعادة.


صاحب المال الوافر يستطيع أن يتحرك في حياته بأريحيّة، يستطيع أن يشتري، يسكن، يسافر، يمتّع نفسهُ وعائلته. هو كذلك -إن كان ذا أصل طيب- يستطيع الإنفاق على المحتاج والمسكين والمعسر. يستطيع صاحب المال الوافر أن ينهض بدينه ووطنه. لنا في عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- خير مثال. المال قوة دينيّة وسياسيّةٌ واقتصاديّة.
فلا داعيَ لذمِّ شيء طيب. الفلوس زينة 🙂


لكن !!! ولكنٌ كبرى !!!!
كم تحتاج من المال لتعيش؟ كم من “الفلوس” يكفيك لترضى؟ 
لأعيد صياغة السؤال بطريقة أفضل:
إلى أي درجة يجب أن تعمل وتكدح، لتقول حصلت على “الكفاف”، ولا حاجة للمزيد من العمل المضني؟
سؤال ليس بالسهل، وأجزم بأن الناس متباينون في الإجابة عنه، والعمل بأجوبتهم!

لأجيب على السؤال من وجهة نظر شخصية، سأشارككم قصة طبيب أكاديميّ، كان من المؤثرين عليّ خلال دراستي في كلية الطب. فاسمعوا مني ما حكاه لنا خلال جلسة هادئة، على بساطٍ أحمديّ ..

——-
نشأ هذا الطبيب في أحد المدن الصغيرة في منطقة نجد، وهاجر للرياض وحيداً للدراسة في جامعة الملك سعود. فتًى من القرية في معمعات العاصمة. تخرج من الجامعة، تزوج، واختار أن يكمل مشواره كمعيد في كلية الطب بجامعة الملك سعود في أحد التخصصات الجراحية. يسر الله له القبول في الزمالة في كندا. حزم حقائبه، وسافر للغربة مع زوجته، محمّلاً بطموحٍ وخوفٍ وترقّب. راتبُ الطبيبِ المبتعث للخارج راتبٌ ميسور، وبالكاد يكفي للعيش في بعض المدن شديدة الغلاء. رزقه الله بابن وابنة. ومضى في برنامج الزمالة، ثم التحق بالتخصص الدقيق، ومضت السنون. بعد ثمانِ سنوات عِجاف، عاد للأوطان، محمّلاً بالديون، مثقلاً بالهموم، لا يملك الكفاف. راتب الاستشاري الأكاديمي -في تلك الأيام- كان ميسوراً كذلك. ها هوَ ذا، عائد من الغربة، بصحبة زوجةٍ وابنٍ وابنة، لا يملك مسكناً ولا سيارة. هو من مجتمع صغير من مدينة متواضعة، يراهُ من حوله كـ “طبيب استشاري مرموق” ومن المفترض أن يكون طيب الحال، وسخيَّ اليد. عائلته الصغيرة صبرت على الغربة طيلة هذه السنين، وتتوقع الآن أن تنعم برغدٍ من العيش. مطلوب منه الكثير: بيت واسع، سيارة فارهة، سائق، خادمة، مدارس عالمية تليق بمستواه الاجتماعي، مساهمةُ في عائلته الكبيرة، وأشياء أخرى كثيرة.

العودة من الغربة بعد طول غياب، قلةُ ذات اليد، وكثرةُ الديون اضطرت أستاذي للبحث عن مصدرِ دخلٍ إضافيّ. قرّر العمل في أحد المستشفيات الخاصة بدوام جزئيّ “أي أنه يبدأ العمل فيه بعد ساعات العمل الرسمية – بعد الخامسة مساءً”. كبداية، عمل بواقع عيادتين في الأسبوع، مع إجراء العمليات الجراحية في أيام أخرى. 
بعد شهرين من العمل، حصل على دخل شهري إضافيّ يقارب ال 15 ألف ريال.
أمممم، أي أنّهُ بزيادة ايام العمل، يزداد الدخل، وبزيادة الدراهم، تزول كل المشاكل“، أو هكذا ظن !

استمر في زيادة أيام العمل في المستشفى الخاص، حتى وصل في نهاية المطاف للعمل 6 أيام في الأسبوع. بطبيعة الحال، ازداد الدخل الإضافي لما يزيد عن الـ 100 ألف شهرياً “إضافة إلى راتبه الأساسي في الجامعة”. ازدانت الحياة في نظره، وتيسرت الأمور، وانشرح الخاطر، لأن “وفرة المال، تجلب السعادة، وكفى!“. خلال تلك الفترة، كان يبدأ عمله الساعة الثامنة صباحاً في المستشفى الجامعي. وفي تمام الساعة الخامسة يكون قد وصل لمقر عمله في المستشفى الخاص. يقضي باقي يومه بين عيادةٍ وعملياتٍ واستشارات. يعود لمنزلهِ قرابةَ الساعة الحادية عشرة مساء. الأطفال قد ناموا، وهو قد أنهكهُ التعب. يبحثُ عن لقمةٍ سريعة، وسريرٍ مريح. يضطر أن يستسقظَ باكراً ليوصل أطفاله للمدرسة “هذا هو الوقت الوحيد الذي يقضيه مع أولاده بالإضافة إلى يوم واحد في إجازة نهاية الأسبوع”. كان الثمن الذي يدفعه عالياً ليصل لما يراه “عيش الكفاف“، لكنّه استمر على هذه الحال لسنيين، حتى أن كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. تدهورت صحة والِده بشكل مفاجئ، وحال مرضه دون الاستمتاع بوجوده ما دام حيّاً. غاب عن أهله لثمانِ سنوات، ثم انشغل بـ “جمع القرش” لخمس سنين أخرى، شاخ والداه، وأعياهما التعب، وهو في غربة، وإن عاشوا في وطنٍ واحد. توقف لوهلة، وقام بتقييم الحال بالسؤال المعتاد: “هل أنا سعيد؟”. وكانت الإجابة واضحة: “طبعاً، لا!”.

قام بإلغاء عقده في المستشفى الخاص، وانتقل للعمل في مستشفى آخر بواقع يوم ونصف في الأسبوع. تدنى دخله إلى أقل من الثلث، ضحّى ببعض الرفاهيات، لكنّه بدأ يعيش من جديد. ازدانت الحياة في عينيه، بدأ يستمتع بصحبة زوجته وأطفاله، أمضى ما تبقى من حياة والده يرعاه، واستأنس بأمه واستأنست به، وهنا أحسّ بالسعادة.
——-

يقول: إن أجمل سنين حياتي عندما بدأت العيش على “الكفاف”، وقنعت بما أستطيع أن أجنيه، بلا خسارة في الصحة، بلا تضحيات، بلا جنون !

كبشر، سنستمر في البحث عن ذلك “الريال” الزائد حتى يأتي، ولن نرضى حتى نصل للـ “الريال” الذي يأتي بعده. لو أُعطيَ أحدنا ضعف دخله لمدة عام، لتغيّرت عاداته في الشراء، والصرف، والرفاهية، لِينتهي به المطاف -غالباً- بصرف كامل المبلغ الذي حصل عليه، فقط بسبب تغيير درجة السفر لـ “رجال الأعمال”، وشراء سيارة جديدة كل عام، وإدخال الأبناء لمدارس عالمية فاحشة الغلاء، وأشياء أخرى مشابهة.

السؤال هنا: هل تستحق هذه التغيرات إهلاك الجسد والروح؟!
أترك الجواب لكم.


دمتم بخير 🙂


تحدي أبريل


3 سنوات منذُ آخرِ تدوينةٍ كتبتها هنا!
واو.. شعور مخيف، ليس لأنَّ الكتابة هي مصدرُ رزقي، أو أنها الهواء الذي أتنفسه، لكنّها كانت شيئاً جميلاً، وشعوراً رائعاً.

بالكتابة، تسمعُ أفكارك، تعيدُ قراءتها، وتنقحها إن لزم الأمر.
بالكتابة، تصب ما في قلبك من غضب وحزن وفرح ودهشة، تشاركها مع الناس، أو تبقيها لنفسك إلى أن يحين وقت ظهورها للعالم، هي -على الأقل- مكتوبة، ولن تتوه.
بالكتابة، تعيد قراءة ماضيك، ليساعدك على فهم حاضرك، واستقراء مستقبلك. 
بالكتابة، تحس يالفخر عندما ترى النسخة القديمة من نفسك وقد كتبت وألهمت وأسعدت.
بالكتابة، تعيشُ، وتستمرُّ بالعيش ما دام فيك نبضٌ يكتب.

بالنسبة لي، الكتابة أكثر أهمية للكاتب من القارئ، أنا المستفيد الأول، وقد أكون الأخير.
إذا أخبرتك بأن هناك من سيكتب تفاصيل حياتك، أفكارك، إنجازاتك، شكوكك، طموحك، لتراها في مستقبلك، وليراها الناس من حولك، ومن بعدك، ألن تشعر بالحماس؟ كأن أحداً قام بكتابة سيرة ذاتية عنك. 
الكتابة حياة.

المعذرة، تاه قلمي عندما فتحت المدونة ووجدتها قد أجدبت. دعوني أُعيد التعريف بنفسي.
أنا محمد. طبيب/جراح/أكاديمي.
انتهيت قبل فترة من مرحلةٍ عصيبةٍ في حياتي كان لا بد من المرور بها، مرحلة الزمالة الطبية. انتهت بخيرها وشرها “قد أخبركم عن تفاصيلها لاحقاً”. 
خلال تلك الفترة لم يكن هناك وقت ولا جهد إضافي للعيش خارج دائرة “الأساسيات“، ولعل التدوين والكتابة خرجوا بسهولة من هذه الدائرة.
لم أكن يوماً كاتباً مستمراً، لكنّي أحب أن أسجل أفكاري، وأشاركها.

أحب التجارب الجديدة، أستمد منها إلهامي. حالياً أعيش مرحلة جديدة من حياتي كأكاديمي، وأحس بأنها ستكون مختلفة “بالمعنى الجميل للكلمة”.
أحب الرياضة، والحياة الصحية. أجرُّ الآن بعض الوزن الزائد من سنوات الزمالة، لكنه في الطريق للزوال -بإذن الله-.
أحب التطوع، والإلهام، والحكمة، والطموح، والواقعية. أحب التغيير، وأعشق الأصالة. أحب الحذر، وأعشق المغامرة. قد تكون أضداداً في بعض الأحيان، لكنّها أضداد كالطّيف، تبعث على الحياة، وتزيل الجمود عن أيّامنا.


بدأ بعض الأصدقاء والصديقات تحدّياً ملهماً: #30يوم_تدوين ، ليكتب كل شخص تدوينة يوميًاً، دون انقطاع، طيلة شهر أبريل. تحدٍّ للالتزام بالكتابة مهما كانت الظروف صعبة، والحروف جدباء، والأفكار خاوية. اكتب أي شيء، استعد لياقتك، استعد ما كان يوماً لك أنت، كان سهلاً وجميلاً، وحان الأوان ليعود.
شكراً عبد الرحمن -ابن العم الملهم- على هذه المبادرة الجميلة.

أحببت الفكرة، ونويت خوض التجربة. أبريل شهر مليء بالأعمال والظروف لهذا العام، لكنّي سأحاول، وسألتزم -إن شاء الله ذلك-.
ها أنا أبدأ بحروف مرتجفة، لعلّها تقف في آخر الشهر متّزنةً، جميلةً، وعذبة.

دمتم بخير
🙂

طول الأمل

مرحباً من جديد. مضى وقت طويلٌ لم أكتب فيه. فاعذروا حروفي الصدِئة.
يأتي الوصف بـ “طول الأمل” في محل ذمٍّ إذا ما نظرنا للدنيا من نظرة العبد الزاهد. يتخذه بعض الدعاة وأصحاب الرقائق محلّاً لتذكير الناس بقِصَر الدنيا وفُجَاءَة الموت إذا ما أفرط الإنسان في انشغاله بالدنيا ونسي نصيبه من الآخرة. لست في جدال الآن مع استخدامها وسيلة للدعوة أو تذكير للنّاس، فبطبيعة الحال، أي انشغال بالدنيا ونسيان للآخرة هو مذموم دون أدنى شك. أنا الآن في حديثٍ عن “طول الأمل”، والسعي الدائم لتحقيق أهدافنا المتجددة، والمحاولة المستمرة لإحداث فرق في هذا العالم، في حياتنا، وحياة الناس من حولنا. هل كل هذا شيء مذموم؟!
هل يجب على الإنسان الاستمرار دون توقف؟! هل يسعى في عملٍ وبحثٍ وإنجازٍ إلى أن يأخذ الله أمانته؟ أم عليه أن يجتهد في العمل ووضع الخطط والأهداف إلى عمرٍ معين “لنقل حتى الـ 50 أو 60 من العمر” وبعد ذلك، فيجب أن يسلم مصيره للحياة، ويعيش آخر سنين العمر بشكل “تفاعلي”، لا اختيار له فيه!

صياغة السؤال بهذا الشكل -من المؤكد- تجعل الإجابة سهلة، فالتوسط والاعتدال في الأمور كلها هو الحل. المحكّ والعبرة عندما نضع أمورنا للتخطيط والواقع.
ما الذي يحفزني لطرح هذه الأسئلة وكتابة هذه التدوينة؟!
قبل فترة، تشرفت بلقاء شخص قدير في مجال عملي، البروفيسور ألبيرتو بينيا. اختلاطي المباشر به، واطّلاعي على طريقة عمله وتفكيره، كان محفزاً كبيراً للتفكير والتأمل. كان وجودي معه مُلهماً “وإن لم يقصد في أفعاله أن يكون مُلهماً!
د. بينيا طبيب أمريكي “من أصل مكسيكي” مختص بجراحة الأطفال، ومهتم تحديداً بالتشوهات الخلقية في القولون والمستقيم. هو مرجعٌ في مجاله، الأول في تخصصه. أبحاثه، عملياته، ونتائجه هي الأشهر عالميّاً. قدّم للتخصص وللمجتمع الطبي الكثير من الإنجازات. عملياتٌ ونظرياتٌ باسمه، طرائِق جراحية وطبيّة أبدعها وأوجدها، ندين له بالكثير.
حظيت بأن أكون منظماً لمؤتمر طبي/جراحي، استضفنا فيه د. بينيا وزوجته “الجراحة في نفس المجال”. أُقيم المؤتمر في الرياض نهاية العام المنصرم. عمره دون الثمانين بعام أو عامين. شيخ مسن، هادئ، مُنصتٌ جيد، لا يكاد يتحدث، وإن فعل، فلكل كلمة معنى وقيمة.

ذُهِلت بما رأيته من احترافية وتفانٍ في العمل -لرجل في قدره وعلمه-. لا يزال في هذه العمر، يعمل بشكل كامل، يجري العمليات الجراحية، يُدرّب، يُعلِّم، يُشرِف ويدير المركز المختص بجراحة الأطفال في مستشفى سينسيناتي للأطفال بولاية أوهايو. هذا المركز الذي يشار له بالبنان عالميّاً، أسسه من الصفر، ووصل به إلى المستوى الرائع بعد سنين من الإشراف والإدارة. في نفس الوقت، يعيش كعاشق شاب مع زوجته التي تشاركه الحلم والتخصص والمشوار.
ما رأيته منه وما تعلمته من دروس ليست غايتي في هذه التدوينة. الحبكة هنا:

في نهاية المؤتمر، وبينما كنّا نتجاذب أطراف الحديث معه ومع زوجته، قررا أن يشاركانا بقرار اتخذاه في الآونة الأخيرة. قرر الطبيبان الانتقال من مدينتهم الطبية، من المركز المتخصص وذي الباعِ الطويل في تشوهات القولون والمستقيم، من المركز الذي أنشأه من الصفر، إلى مستشفى آخر، ليبدأ بإنشاء البناء نفسه من جديد، متفادياً كل الأخطاء، مستفيداً من كل التجارب التي مر بها. ها هو الآن، دون الثمانين بقليل، كلّ وتعب، لم يعد كما كان في شبابه، لكنّه يقرر بأن يمضي في مشوارٍ جديد، بعزيمة متّقدة، وطاقةٍ لا حدود لها. هو يظن أنه قدّم لمكانه الأول كل ما يستطيع أن يقدمه، يظن كذلك أنه فقد الكثير من “الروحانية” التي حاول أن يبني عمله عليها، ويريد الآن أن يبدأ المشوار من جديد.

ما دار في خلدي وقتها: ألم يأنِ لك أن تستريح؟ ولم يدُم في خلدي للأبد، فقد زلّ لساني بهذا السؤال “الفظّ” من غير قصد. ابتسم د. بينيا، وأجاب: “ كم بقي لي في حياتي؟ لا أعلم! لكنّي سأكون سعيداً إن عشت عشر أعوام أخرى لأرى إنجازاً جديداً، وأحقق حلماً آخر. تنتهي حياتك، وتموت روحك، في اللحظة التي تتخلي فيها عن نفسك، وتنسى أهدافك، بل وعندما تعيش بلا هدف تسعى لتحقيقه“.

نعم، هذا هو “موت الأحياء“.
لا أظن طول الأمل” بجانبه السلبي ينطبق هنا. وكما جاء في الخبر: (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً).
ينتظر الشابّ منا أن يدخل الجامعة، ويعلِّق آماله ونهاية أهدافه في تخرجه. وعندما يتخرج، يُصدم بأنّ للحياة بقيّة، فيعمل ويكدح، ويعلق الأمل والأهداف حتى تأتي لحظة “التقاعد”، التي بها تنتهي حياتنا الفعلية! الحياة لا تنتهي حتى نموت، ومن المحزن أن يموت أحدنا وهو حيٌّ يتنفس. نعم، لا يجب أن تستمر الحياة كدحاً وتعباً دائما، من الممكن أن ينعم أحدنا بوقت أكثر للهدوء والاسترخاء، لكن يجب أن يكون ذلك جزء من الهدف، لا مرحلة ننتهي إليها.
أطلت عليكم. 

دمتم بود 
🙂

توازن

عندما بدأت في كتابة رسالتي في هذه الحياة، وتدوين أهدافي المرحلية والبعيدة قبل ثلاثة أعوامٍ تقريباً، اكتشفت أن كل ما كنت أكتبه  وأفكر به، كل ما أريده وأسعى لتحقيقه يعتمد على مبدأ أوحد، ومفهومٍ فريد:  التوازن!

تأملاتي في هذا المعنى لا تتوقف. أفكاري فيه ليس لها نهاية. أمنياتي وسعيي لتحقيقه مشوارٌ لا ينقطع، ومثابرةٌ مستمرةٌ لا تخلو من مجاهدة النفس، حيناً أغلبها، وأحياناً تتمرد، وتعلن الفوز والنجاح.
مجاهدة النفس ومحاولة تهذيبها وتوجيهها علمٌ وفنّ ! إخلاص النية وحده، وكتابة الهدف وخطّ الخطط كذلك لا تكفي لأن نكون أناساً ملتزمين بأهدافنا، متمكنين من تسيير رغباتنا وتوجيهها وفقاً لما تقتضيه مهمتنا في هذه الحياة.

وإذا تحدثتُ عن التوازن، فأنا أعنيه صدقاً في كافة ألوان هذه الحياة وأطيافها. التوازن الدينيّ، الروحيّ، الذاتي، العملي، الاجتماعي، وهكذا .. أن تتوازن، أي تحقق ما تريده من أهداف بشكل متساوٍ، أو على الأقل، أن تحقق الحد الأدنى من ذلك الجانب، كما قد رسمته وأردته سابقاً في أهدافك. على سبيل المثال:

في حياتك اليومية، تتوجه يوميّاً لعملك، الذي تحبّه وتبدع فيه. تعطي ذلك العمل القدر الكافي من الجهد والوقت بإخلاص، لا تقصّر في أداء واجباتك، وفي نفس الوقت، لا تجعله يطغى على جوانب حياتك الأخرى.
خلال حياتك اليوميّة، لا بد على أن تكون على اتصال مباشر بجانب الدينيّ والروحي. تغذي الذات بالطاقة اللازمة لها لكي تستمر “حيّة” متّقدة.
لا بد أيضاً ألّا تهمل واجباتك العائلية تجاه زوجتك، أولادك، والديك وإخوتك، تقوم بحقوقهم، وتكون بقربهم إن هم احتاجوا لك، وتلتمس حوائجهم وتلبي رغباتهم قدر الإمكان.
عملك بطبيعة الحال، يحتاجُ منك تطويراً مستمراً لشخصيتك، فيجب أن توجه بعض الوقت لها كذلك. يجب أن تكون إنساناً مطلعاً قارئاً مطوراً لمهاراتك العلمية والعملية والاجتماعية باستمرار.  
علاقاتك الاجتماعية بحاجة إلى الصيانة بين الفينة والأخرى. أقاربك البعيدون، أصدقاؤك، زملاؤك، أنت بحاجتهم لتعيش حياة متزنة.
لا بدّ ألا تنسى هواياتك، بدنك، صحتك، وأوقات الراحة والمتعة، وتلك الأشياء الصغيرة التي تُعيد لروحك الإحساس بالحياة والحيويّة من جديد.

يجب أن تعيش هذه الجوانب بشكل دوريّ. بعضها يتطلب اهتماماً يومياً، والبعض يحتاج صيانة أسبوعية أو شهريّة. نسيانك لجانب من هذه الجوانب، أو طغيان شيءٍ منها على الآخر، سيزيد من تفوقك في ذلك الجانب، لكن سيبطؤ من تقدمك في الجوانب الأخرى، وطبعا: من تقدمك العام في حياتك.

عندما أصل إلى مرحلة لا أستطيع فيها أن أتقدم أو أن أعطي أكثر، فإني أعود إلى هذه الجوانب، وأبحث عن الخلل. لا بدّ أن أجدني مقصراً وبشدة في أحدها، التقصير فيه هو ما يبعث على الشعور العام بعدم الإنجاز، الإحساس بالإخفاق وعدم الفعالية !


في بداية 2015 بدأت -بشكل سريع- أستعرض أهم الأحداث والإنجازات في العام المنصرم 2014. كوني خلال هذه الأعوام في ارتباط طويل ببرنامج الزمالة “التدريب” لتخصصي الدقيق والذي سيدوم لأربعة أعوام أخرى، فلم أجد خلال الاستعراض السريع أي أنجازات معتبرة، أو تقدماً ملومساً في مسيرة حياتي. رأيته لوهلة عاماً خالياً من الإنجاز والنجاح، كنتُ فيه شديد التيه، ضائعاً، مُسيّراً، أتفاعل مع الأحداث – لا أصنعها، أفعالي عبارة عن ردود أفعال، لم أكن متمكّناً من ذاتي كما تمنيت أن أكون. ذلك الشعور  أصابني بالإحباط في بادئ الأمر. أخذت إجازة من عملي لمدة أسبوع “الآن أعيش أخر أيامها” لأبحث بشكل أكبر تفاصيل هذا العام، وأراجع من جديد ذاتي وأهدافي وتقدمي نحوها.

كما ذكرت في تدوينة سابقة أن النظر إلى الأمور بإيجابية أو سلبية هو خيارٌ نتخذه نحن ونعيش معه. لذلك قررت أن أنظر لذلك العام من منظور آخر:

في العام ألمنصرم أنهيت بفضل الله السنة الأولى من التدريب بنجاح جميل. نجاح علمي، عملي، وتفوّق في الأداء الطبي. حزت على جائزة أفضل طبيب للعام خلال دورة العناية المركزة، حزت على رضى الأطباء المشرفين على تدريبي بفضل وتوفيق من الله. نعم، كنت أتمنى تقدماً علميّاً أكثر، لكن لم تكون الأمور بالسوء الذي كنت أتخيله.

كنت على مقربة من عائلتي قدر الإمكان. رؤية أبي وأمّي سعيدين كان من أجمل المشاعر التي تعينني على أن أنهض من جديد. للأسف، ساعات العمل الطويلة “التي تصل إلى 12 ساعة يومياً” والمناوبات  التي تصل إلى تسعة أيام في الشهر، والاختبارات التي تحتاج إلى الكثير من الجهد والوقت  لم تجعلني قريباً كما تمنّيت أن أكون، وتقديمي لعائلتي ليس كما أطمح، لكن بفضل الله، لا أحس بالتقصير تجاههم، لا أحس بأني خذلتهم.
كنت بالقرب ممّن احتاجني من أقربائي وأحبابي. حاولت قدر الإمكان أن أبذل ما أستطيع لإسعادهم.

دخلت العام الثاني من زواجي بنجاح مع شريكة حياتي. احتفلت معها بمرور عامٍ على زواجنا السعيد، انطلقت وإياها في رحلات حول العالم. زرنا الحرم المكي للمرة الثانية، ونعمنا براحة واطمئنان عجيبين في أطهر بقاع الأرض. شاركت وإياها أحلام المستقبل، وتسامرنا بأمنيات العمر التي ندعو بأن تكون حقيقة في يوم من الأيام. 

عدت بالتفكير في صحتي ورياضتي. بدأت في العمل على حياة صحية قدر الإمكان. تمكنت من خسارة الوزن الذي أتمناه، وحافظت عليه بفضل من الله. اشتريت دراجة أحاول أن أجعلها هواية صحيّة لي، وإلى الآن أحاول 🙂

تقدّم في الجانب الاقتصادي، والتخطيط لبيت المستقبل. تقدّم بسيط في الجانب الثقافي والروحي. وتقدمات أخرى في جوانب مختلفة.. 

أعيد النظر والتفكير:
على ما يبدو وكما أرى، ليس عاماً كئيباً أو خالياً من الإنجاز. الحمد لله، تقدمٌ في جوانب مختلفة، مع وجود بعض التقصير في جوانب أخرى. 
إعادة التفكير جعلتني أتفاؤل خيراً. عملي وسنوات الزمالة المضنية لن تكون عائقاً بإذن الله من التقدّم نحو الأفضل، والسعي إلى الهدف المنشود. سأكمل المشوار بنظرة أجمل نحو المستقبل. سأمضي ببصيرة، وأعيش بتوازن أكثر بإذن الله.


دمتم بود ..
🙂


اكتب !


كل عام وأنتم بخير، وأعاد الله العيد عليكم وأنتم وأهلكم وأحبابكم بألف صحة وعافية.
أمنيتي لكل فرد في هذه الأمة أن ينعم في القريب العاجل بعيد خالٍ من كل منغّص، وأن ينعم الله على بلاد المسلمين بالأمن والأمان والاستقرار، والتقدم في كل جوانبه.

أحرص قبل أيام العيد أن أنتهي من كافة التجهيزات اللازمة للعيد وارتباطاته الاجتماعية، لأنعم بلحظات هدوءٍ واسترخاء في الساعات الأُوَل من ليلة العيد. أستغرق في التأمل، الهواجيس، تجهيز قائمة المعايدة والاتصالات والرسائل للأهل والأقارب والأصدقاء. أحياناً أقضي وقتي بتصفح حساباتي في الشبكات الاجتماعية التي لم أزرها من فترة.

ليلة البارحة، عرّجت على المدونة، لأرى القحط الذي أصابها، والشحّ الملحوظ في الكتابة، عسى الله أن يمطرها بفضله، ويرزق صاحبها الاعتناء بها كما تستحق. قُمت بتصفح بعض التدوينات القديمة، أقرأ فيها بتمعّن، أتأمل حروفها وأفكارها، وكأني لم أقم أنا بكتابتها، كأنّي أقرأها للمرة الأولى!

أخذت أتأمل الأفكار التي تحملها تلك الكلمات، لم أحاول ربط هذه الأفكار بالتجارب الشخصية التي عشتها، أو محاولة لتذكر الدافع لكتابته هذه التدوينة أو تلك، كأنّي قارئٌ من الناس، يطلّ على هذه المدونة للمرة الأولى. كان شعوراً غريباً !

تأملي في الأفكار التي حملتها حروف المدوّنة، والاعتقادات أو المبادئ التي جاءت بها، وبعض الأماني والطموحات التي حملتها بعضها، أعطاني فرصة لكي أرى نفسيفي ماضيها، كما هي، دون محسناتٍ، ودون أن تضيع بعض التفاصيل بسبب عوامل الزمن. نعمة عظيمة أن يتسنّى لك رؤيتك نفسك بدقة، لتراجع ذاتك، وتعيد النظر في أفعال قمت بها، وأفكار كنت تعتنقها وتؤمن بها. هذه نعمة عظيمة من نعم الكتابة.

كتبت في تدوينة سابقة عن الكتابة بأي شكل كانت، وعن أثرها على كاتبها. لا يجب أن تتمتّع بملكة عظيمة لتكتب، ولا يجب أن تحمل أفكاراً أعظم لتدوّنها، هواجيسك اليومية جديرة بأن توثّق، لأنه لا بد أن تعود لها يوماً من الأيام. حينها، ستكون مفيدة، ومفرحة لك. تقول أناييز نينصاحبة اليوميّات والمفكرات المشهورة في أوائل هذا القرن: “إننا نكتب لنتذوّق طعم الحياة مرتين، في لحظتها، وفي وقت لاحقٍ عندما نقرأُ عنها“.


أخذت أكمل القراءة في المدونة، أمسكت بورقة وقلم، قمت أكتب عن بعض التغيرات التي حصلت منذ كتابتي لتلك التدوينة وحتى الآن. دوّنت كذلك بعض الأفكار التي تمنيّت أن أقوم بها وأطبقها واقعاً في حياتي، لكن دارت الأيام ونسيت أن أقوم بذلك. قمتُ على عجل بعمل مراجعة لذاتي، بالاستناد لكلام وثَّقته عن نفسي في الماضي القريب. لا أشدّ تأثيراً على النفس من كلمات كتبناها في وقت مضى.

دفعتني هذه التجربة إلى وعد أتمنى أن أفِيَ به:

سأقوم بتدوين أكبر قدر ممكن من الأفكار، والمعتقدات، والطموحات والأمنيات التي تتردد على خاطري، سأراجعها في وقت لاحق قريبٍ أو بعيد، ﻷجعلها مراءةً أقيّم بها ذاتي وتقدمي.


هل من تجارب عشتها قريباً في كتابةٍ لبعض أفكارك ؟!
شاركنا تجربتك !


دمتم بود ..
🙂


سلام

مرحباً، مساؤكم سعادة.
تدوينةٌ سريعة أخطّها من الجوال لاستعادة اللياقة. لن تأخذ من وقتكم الكثير.
مع الحياة المدنيّة المزدحمة، ومع ظروف العمل والضغوط التي تزداد يوماً بعد يوم، نبتعد شيئاً فشيئاً عن جوانبنا الروحانية، ونقترب إلى كوننا آلات معدنية، لا تحوي في تجويفها إلا حاسباً ذكياً، يحكم على الأمور بـ “المنطق البحت“. المكسب الشخصي هو الغاية الأولى. المسير إلى هذه النقطة المحزنة هو بمثابة الطيف. من البشر من عافاه الله فكان على اتصال أكثر بروحه، مؤمناً بروحانيّة، معاوداً لزيارة قلبه ومشاعره باستمرار، باحثاً عن يقين يحميه من “صدأ” الروح. ومن البشر من وصل للمرحلة القصوى من كونه كومة من حديد، أصاب الصدأ قلبها، وتعيش في عالمٍ خالٍ من المشاعر واليقين. وبقية البشر يعيشون في منطقة ما بين هذين الضدين.


في حياتنا، لا نرضى أن يتعدى أحدٌ على خطوطنا الحمراء، وإن تجرأ –ابن أمه– وفعل، فيا ويله ويا سواد ليله ! يصيبنا حينها العمى والصمم، فلا نبصر ولا نسمع، ونتحول لوحوش لا تطيق الصبر على أن تفترس ! المشكلة هنا: أن “خطوطنا الحمراء” ليست منطقية ولا معقولة، واسعة الانتشار، صلبة لا تقبل النقاش.

كفانا مقدمات. قبل فترة، جاء وقت الغداء، ولا غداء أمامي، فتوجهت لمطعم أطلب منه الميسور. ولأنني على عجل، ولأني خرجت في وقت ذروة السعوديين، ولأنني قصدت ألذ مطاعم المثلوثة في المنطقة، كان المكان شديد الازدحام، ولم أجد مكاناً أركن به سيارتي. وبعد لفّتين على المطعم، اضطررت إلى أن أقف خلف أحد السيارات، وفعلت ذلك بكره شديد لنفسي.
لا أحب أبداً، أبداااً، أن أخرج من محلٍّ لأجد من ركن خلفي، وتركني مقيّد اليدين لا أستطيع الحركة، وهو في أحد المحلات المجاورة يتسوق بكل هدوء وسعة صدر، وقلة حياء ! وبما أني لا أحب هذه الصفة، فإني لا أحب القيام بها، وأتجنبها دائماً، وإن اضطررت للوقوف في مكان بعيد جداً. لكن في ذلك اليوم، كان للجوع وتأخر الوقت نصيب كبير في خرق هذه العادة، واتصالي بـ “رجل الغاب” الذي في داخلي. ركنت سيارتي، ووعدت “جانبي المتحضّر” أن أقوم بالطلب، وأتأكد باستمرار أن صاحب السيارة لم يعُد ليجدني قد ضيقت عليه الخناق.
قمت بالطلب، وانتظرت الوجبة، وأنا أطالع السيارة من بعيد تحسباً لحضور الرجل المعتدى عليه ! لم أر أيّ علامات لوجوده، فأخذت كل الوقت  اللازم لانتهاء الوجبة. خرجت من المطعم مستعجلاً، ووجدت الرجل صاحب السيارة التي أمامي جالساً بكل هدوء أمام سيارته، ينتظر تشريفي.

في الأحوال الطبيعيّة، لو تعرضت لهذا الموقف من قِبل شخص آخر ، لكانت ردة فعلي ملئية بالغضب العام، والإحباط الشديد من مجتمعنا ووطننا. مصحوبة ببعض الزبد والرعد وارتفاع الضغط والكلام الجارح. في أحسن الأحوال والسيناريوهات، وفي قمّة لحظات تسامحي، سأنظر بعتب للشخص المسيء، وأعطيه محاضرة سريعة عن الأخلاق العامة واحترام الذات، حتى يُرضي غروري باعتذاره المستمر.

ما حدث، كان شيئاًً مختلفاً ! كنتُ خجلاً من نفسي لتأخيري على هذا الرجل، راسماً على وجهي أجمل ابتسامة اعتذار، وعلى طرف لساني أشد كلمات الاحترام والتأسف. ولما رميت بكافة هذه الأسلحة، ابتسم ذلك الرجل ابتسامة عذبة، وقال: “معذور وأنا أخوك، الموضوع بسيط. وش أدراك، يمكن دافع عني شر أو بلى. شكراً لك“.
حركت سيارتي، ورحل الرجل الطيب مبتسماً، وتركني خلفه متعجباً من ردّة فعله، معجباً بتصرفه وحلمه وحكمته !

ما كان ينعم به هذا الرجل، هو “سلام الروح“، حالة من الصفاء مع النفس والذات، تنعكس بطمأنينة وثقة على كل من حوله، وتترك أثراً جميلاً وعميقاً في دواخلهم. تذكّرهم أن في حياتنا أكثر من المادة، وأنّ دواخلنا أرواحاً تحتاج منّا لاهتمام وصيانة وعناية.


هذا موقف أثر فيّ، وهذه تدوينة مُنقطِع يحاول الاستمرار ولو بالقليل، فشكراً لتكرمكم بالزيارة.


دمتم في سلامٍ مع أرواحكم.
🙂

هل أعرفني ؟!


أعيش في هذه الأيام فترة فراغ بسيط، عدتُ فيه إلى أيام ما قبل ازدحام الجدول والارتباطات الكثيرة. ازداد دخولي إلى “النت” بشكل ملحوظ. وخلال “لفّتي” اليومية، وقعتُ على الموقع القديم المعروف: ask.fm ، المتخصص في الأسئلة. فِكرَةُ الموقع ببساطة: تقوم بإنشاءِ حسابٍ خاضٍّ بك، ويبدأ الناس في توجيه الأسئلة إليك، وأنت تمتلك الحرية الكاملة في الإجابة عن الأسئلة التي تريد، وتجاهل الباقي، ومشاركة هذه الأجوبة مع الأصدقاء عبر الموقع، وشبكات التواصل الاجتماعية المختلفة. يوفر الموقع أيضاً خِيَار: استقبال سؤال عشوائي، تم توليده وتأليفه من قبل إدارة الموقع ، في حالة نفاد أسئلة المعجبين بك :). هي أسئلة عشوائية مختلفة، عن كل شيء، عن حياتك، طموحاتك، يومياتك، ذكرياتك، قناعاتك، ماذا تحب، ماذا تكره، وكيف تتفاعل. أسئلة أخرى عن أرائك في بعض الأمور، وطريقة تعاملك مع بعض المواقف. هي أسئلة متعددة ومختلفة من كل حدب وصوب، لكنّها بشكل ما، تجعل إجابتك عليها: اكتشافاً أكثر للذات، وهنا مربط الفرس.

أمضيت قرابة نصف الساعة وأنا أصُولُ وأجولُ بين الأسئِلة، وأُجِيبُ على كلِّ سؤالٍ بتفكيرٍ سريعٍ مع نفسي. أجدُ الإِجابة لبعض الأسئلة مباشرة، وأخرى أقفُ أمامها بتأمُّلٍ، وتعجُّب، لأنِّي لا أعرف لها إجابةً واضحة !

ماذا يعني أنت تعرف “الأجوبة” عن نفسك ؟
يعني هذا أنك تعرف ذاتك أكثر. يعني أنك في اندماج أكثر مع شخصيتك. يعني أنك تمتلك قدراً أكبر من الثقة. يعني أنك قادر على التغيير إن أردت، فأنت تعرف “أين أنت“، و “إلى أين يجب أن تتجه“، وإلا كيف يتغير الإنسان إلى حال جديدة، دون أن يعرف حاله التي كان عليها قبل أن يتغير ؟!!
أن تعرف ذاتك، يعني أنك غريبٌ عنها، وهذا صحيح. وكيف لإنسان أن يعيشَ بسعادة مع شخص غريبٍ لا يعرفه ؟!! وكلّما تعمَّقَت معرفتُكَ بها، وازداد اندماجُك معها، كلّما ازددت إنتاجيةً، وإبداعاً، وسعادة.

معرفة الذات، والشخصيات، من أساسيات العلوم التي يبحثها علم النفس، وعلوم تطوير الذات، والبرمجة اللغوية العصبية، وما إلى ذلك. كل هذه تتمحور حول “أن تعرف ذاتك أكثر“، وأن تنطلق بعدها إلى مرحلة أكثرَ تقدُّماً. لا يستطيع الإنسان –دون معرفة دقيقة لنفسه وخباياها–  أن يتحكم فيها، وأن يكون مسؤولاً عنها. وإن لم يكن الإنسان مسؤولاً عن نفسه، ومعنيّاً بقيادتها واتخاذ كافة قراراتها، وتحمُّلِ المسؤوليَّةِ الكاملةِ لهذه القرارات، وما يتبعُها من نتائِج، فلن يَبرَحَ مكانَه، ولن يكون إنساناً فعّالاً في حياته ” كما في العادة الأولى من العادات السبع للناس الأكثر فعالية لـ ستيفن كوفي“. نعم، مِن الممكن أن تَعيش في هذه الحياة، وتحقّقَ نجاحاً مُبهِراً في أحد المجالات، ومن الممكن أيضاً أن تكون من أنجح الناس في هذا المجال، لكن هذا لا يجعلك -بالضرورة- إنساناً فعّالاً في بقيّةِ مجالاتِ حياتك، التي لا بدّ أن تحقِّقَ فيها مِقداراً مطلوباً من التقدم والإنجاز. ومن المُمكن أيضاً أن تكون إنجازاتُك العظيمة في هذا المجال، ليست ما كنتَ تبحث عنه، وليست مصدراً لسعادتك التي تنشُدُها.
* لماذا إذا لا نعرف ذواتنا ؟!! لماذا نعاني كأفرادٍ “خصوصاً في مجتمعاتِنا العربية” من قلّة المعرفة لذواتنا ؟!!
هي قائمة طويلة من الأسباب والعِلَل، وهذا مكانٌ لأبحاثٍ مطولةٍ في علم النفس. لكن، لعلَّ من أبرز هذه الأسباب، التربية التي يعيشها البعض “وليس الكل” في عالمنا العربي، والتي تتمثل في التوبيخ المفرط، والتوجيه المستمر للقيام بالواجبات على طريقة معينة. وعلى النقيض أيضاً، التربيةُ القائمةُ على الدلال الزائد، والثناء المفرط، دون إعطاء الفرصة للتعامل مع الأخطاء والمواقف اليوميّة بانتقادٍ موضوعيّ. التعرّفُ على الذات يبتدِئُ في مراحل الحياة الأولى، والتربيةُ المتسَلِّطة، والتوبيخية، أو التربية المفرطة في العناية والتوجيه، قد تشلُّنا عن الاندماج مع ذواتنا، والتعرُّفِ أكثر على مكامِنِ القوّةِ والضعفِ فيها.

* ماذا نحتاج ؟!!
الاستثمار في الذات، هو مشروع ناجحٌ كليّاً على الأمد الطويل. نحتاج أن نستَقطِع بعض الوقت للجلوس مع ذواتنا، لوَحدِنا، نحنُ وهي، فقَط. نتوقّفَ لِنَنظُر في إيجابيّاتِنا وسلبيّاتِنا، ماضِينا، المواقف والتجاربِ التي خُضناها، وكيف تجاوزناها. نُترجِمُها، ونحاولُ أن نَفهَمهَا، نطرحُ الأسئلةَ “علينا” ونجيبَ عليها. نتقبّل ذواتِنا كما هي، دون خوف أو توتّر، بإيجابيّاتها و سلبيّاتِها ، فنسعى إلى تطوير الأولى، وتحسين الثانية.
الناس، بمثابة المرآة لنا، وشخصيّاتنا تنعكس في ردود أفعالهم وتعاملاتهم معنا، لذلك من الجيّد أن نأخذ بالاعتبار ما يقوله الآخرون عنّا. كلامهُم حتماً لا يعني أن يكون صواباً في كل جوانِبه، فآراء الناس فينا عرضة لمزلات التواصل البشري، لكن هي حتماً وسيلةٌ من وسائلِ معرفةِ الذات. وفي حالة أنّنا افتقدنا لمعرفة ذواتنا، أو محاولة معرفتها، فإن رُدودَ أفعالِنا تجاه الناس وآرائِهم فينا لن تَكون إلا عِبارةً عن رُدودِ أفعالٍ مباشرة، على هيئة تَبرِيرٍ و دِفاعٍ عن الذات، وهذا مالا يجب فِعله !

* الجدير بالذكر: 

معرفةُ ذواتِنا هي نتيجةٌ لمرحلةٍ طويلةٍ من البحثِ والتحرّي، والجلساتِ، والقراءاتِ، والكِتابات. مُحصِّلتُها: الاندماج التام الذي يُعِينُنَا على تحقيق أهدافِنا، ويَجلِبُ لنا السَّعادة. وهذه النهاية، هي كل ما يتمنّاه كل شخصٍ منّا. فلا داعيَ إذاً إلى الاستعجال في الوصول إليها، أو الإسراع في محاولة تحقيقها. كلّما “تخمّرت“، كلّما زاد الاندماج حلاوة !
لا أريد أن أطيل. ما شدّني، أنّنا نحسُّ أحياناً بأننا نعرفُ أنفُسَنا، ونعرفُ ما نريد، وتفاجِئٌنا الحياةٌ بمواقفِها التي لا تَنفَكُّ تُخبِرُنا أنّنا لا نزال: من الجاهلين. فإلى متى ننتظر ؟!! فالتخطيط لِحياتِنا، وتَحديدُ أهدافِنا لا يكونُ إلّا بمعرفةٍ جيّدةٍ لذواتِنا، بعد إمعانِ النَّظرِ في دواخِلِنا، والاندِماجِ مع أنفُسِنا، حتى تزول الغربة بيننا، ونكون: نحن، كما يجبُ أن نكون.

خاطرة مرّت في بالي بينما كنت أتصفّح هذا الموقع . اعذروا إطالتي.

دمتم عارفين لذواتكم 
🙂

حكمة !

نعيش كل يومٍ في هذه الحياة، لنتعلم شيئاً جديداً، ونكتسب المزيد من الخبرة، التي نُشكّل بها طريقة تفكيرنا الخاص، ونسنخلصُ منها: حِكمةَ الحياة. يتفاوت الناس -بطبيعة الحال- في “كمية” و “جودة” الحكمة التي يمتلكونها. فليس بشرط أنّ من عاش أكثر، وجرب أكثر، أن يكونَ حكيماً “أكثر”. وليس شرطاً أيضاً أنّ من يتمتّع بمتسوى ذكاءٍ أعلى، سيزداد حكمة في الحياة. هي حتماً مزيج بين الأولى والثانية، وأمورٍ أخرى أيضاً.
تأسرني “الحكمة” ككلمة، ويأسرني معناها، ويتعلق قلبي بمن يمتلك الحكمة ويعيشها، ويربّي الناس عليها. هي ضالتي، كما هي ضالة المؤمنين. تتلألأُ عينايَ إعجاباً لرجل يحكي “حكمة“، ويفعل “حكمة“، ويصمت “حكمة“. أسأل نفسي دائماً وأبداً عندما أمرُّ بأيِّ بموقف من مواقف الحياة اليومية: “هل هذا هو التصرف الحكيم ؟!” ، “هل كان ردي حكيماً ؟!”، “هل كان عليَّ أن أكون أكثر حكمةً في تعاملي معه/ـها ؟!”. موضوع يشغلني منذ الأزل، ولا يزال يشغلني، وسيظل. يدورُ بي نفسُ التفكير كل مرة أمر على رجل “حكيم”، وأرى موقفاً “حكيماً”، وأيضاً عندما أصادف شخصاً يفتقد إلى أبسط أبجديات “الحكمة” ، أو سمّوه “أحمقاً” إن شئتم !!

لعلّي في يومٍ أكتب بتفصيل أكثر عن الحكمة، منابعها، طرقها، وقصص الحكماءِ وأخبارهم. بل لعلّي أيضاً أن أكتب في يومٍ عن “كيف أصبحوا حكماء ؟!!” ، إن وجدتُ لذلك سبيلا !

 مالذي شدّني للكتابة عنها ؟! حسناً، في أول أيام العيد، كنت أقضي الإجازة بين أهلي و”عزوتي”، وكما هو الحال في ديارنا، يكون العيد وقتاً للاحتفال بالمأدبات وما يسّر الله لنا من “المفاطيح”. ولشدة الضغط والازدحام في هذه الأيام على المطابخ والمطاعم التي تتكفل بهذه المأدبات، كان على العم “أبي راكان” أن يأتي بـصحون العشاء بنفسه. أبو راكان هو مالك لأحد مطابخ المفاطيح المميزة في مديتنا الصغيرة، شخص بسيط إلى أبعد الحدود. متواضعُ الهيئة، رث الثياب، يعتَلي رأسَه نفس الشماغ مُذ أن عرفتُه، وأحياناً ومع عجلته وزحمة العمل، يغادر الشماغ رأسه، لينام على كتفه بشكل عشوائي وبسيط. رجلٌ -وإن لم يكن وسيم المظهر- إلا أنّه رائعُ الابتسامة، خفيفُ الروح والظلّ، يصل بسيارة المطعم ليقوم بإنزال أطباق الأكل، فيملأ الناس حماساً وسعادةً بممازحاته ومعيادياته الظريفة. المهم: عندما أوصل لنا أبو راكان “المقسوم” من الأكل، توجهت إليه لأعطِيَه الحساب الذي يستحقه. يرفضُ بتاتاً “الإكرامية” و “العيدية” بأسلوب ظريف لطيف، يتواكب مع شخصيته البسيطة. قبل أن يرحل، أمسك بيدي ، وأراد أن ينير في عقلي “حكمة” تعلّمها من مسيرته في حياته. سألني مباشرة بعد أن قدمت له المبلغ المطلوب: “يا وليدي: وش أغلى شي نشتغل علشانه ونكد ونكدح علشانه في هالحياة ؟”، يراقبُ صمتي، ثم يردف: “والله يا وليدي إن هالمال، وإن كثُر، ما يحمل لك اللي تتوقعه من السعادة”. ويصمت مجددا.
يبدأ في شرح حكمته بحروف بسيطة، ولغة أبسط، لكنّ فحواها يحمل حكمةً رائعةً أشدَّ الروعة، جميلةً أشدَّ الجمال. كان يقول: “الحمد لله، لا يُوجد ما أتمنّاه في هذه الحياة إلا وأستطيع أن أبتاعه بما أمتلكه من مال، الأمور ميسورة، والنفس في بحبوحة ولله الحمد. ولكن يا بنيّ، مالُك -وإن كَثُر- فهو لا يجلب لك السعادة بذاته. المال، كما هو خير، هو شرٌّ أيضاً. هو سبب للحسد والتناغص والبغضاء، هو ثقل على النفس، ومسؤولية على المسلم، ونعمة عليها حسابٌ شديدٌ في يوم العرض“. أسمع كلامه، وأنتظر مربط الحكمة. يُكمل: “والله يا بنيّ، لم أجد شيئاً أكثر جلباً للسعادة من أن تنام في كلِّ ليلة، وأنت سليم الخاطر، طيّبُ النفس، ليس في صدرك على أحدٍ شيءٌ. يا بني، لا أنام في كل ليلةٍ إلّا أدعو الله أن يزيلَ ما في قلبيَ من غلٍّ على كل نفس، وأن يسامح كل من أخطأَ في يومٍ عليّ، أو تجاوز وتعدى على حقٍّ من حقوقي، وبعدها -يا بنّي- أنام نومةً يتمنّاها نصف البشر“.

أنظر إليه، وأرى على وجهه ابتسامة، وفي عينيه صدقاً وسلامة، وعلى محيّاه حكمةً نحتتها السنون والمواقف.
هنيئاً للعم هذه الحكمة. وأسأل الله أن يرزقني وإياكم الحكمة في كل أمورنا وأحوالنا. لي عودة بإذن الله -وإن طال الانتظار- بحديث أطول، وأعمق عن الحكمة.

دمتم حُكماء 🙂

اختياراتنا !

بدأت قبل شهرين مرحلة جديدة في حياتي. كنت طيلة السنوات الست الماضية كائناً مستهلكاً للموارد خلال دراستي في كلية الطب، والآن في سنة الامتياز، جاء الوقت لنبدأ حياة طويلة من العطاء والتضحيات، فعسى أن نكون من المُوفقين.

كنت بالأمس “يوم الخميس” مناوباً في المستشفى من أول ساعات الصباح الباكر، وعلى رواية البعض، كنت “مستلم” في المستشفى طيلة اليوم. لن أكذِبكُم، من ناحية: شعورٌ فيه نوعٌ من القهر. الجميع يستعد لإجازة اليوم الوطني، ويخطط للذهاب هنا وهناك، وأنت مشلول الحركة والتفكير فيما يخص خططهم وبرامجهم. لكن هذا فقط من زاوية ضيقة، يرى منها من أراد أن يرى التعاسة في تخصصه. من ناحيةٍ أخرى، لا أجمل من أن تكون هناك، لهم، ولا أروع من أن تتواجد في مكان يتعبك، لتسهر على راحتهم. هاتان زاويتان للاطلاع، يستطيع أحدنا أن يرى من أيّهما شاء.

أحد الزملاء بدأ يتحدث معي: “ياخي خربوا علي أبو الإجازة، لا أقدر أروح ولا أجي“. زميل آخر: “جميلة والله المناوبة يوم الخميس، يمديك ترتب جدولك وتخلص شغلات كثيرة لك، وتستمتع بنفس الوقت“. الزميلان، يعملان معي في نفس المستشفى، يقومان بنفس المهام، كلاهما كُتب عليه أن “يرابط” يوم الخميس !!

أي أن موضوع الاستمتاع بالشيء، أو التحلطم حوله، يكون دائماً في نطاق اختيارنا. إن أردنا أن نستمتع بما نفعل، وأن نجعل منه مهنةً نشتاق إليها إذا ابتعدنا عنها، فهذا اختيارنا. وإن أردنا -على النقيض- أن نكون من اللاطمين والنواحّين حيال هذا العمل، ونتصدر كل مجلس بالحديث عن مدى بشاعة ما نقوم به، وسوء المعاملة التي نتلقاها، والإجحاف الملحوظ لطبيب الامتياز، فهذا أيضاً اختيار آخر، من الممكن أن نقوم به !!
في بداية المناوبة صباح الأمس، وجدت نفسي -لا إراديّاً- أبتسم في وجه الجميع، أسلم على كل من أقابله، أدخل على المرضى بروح مبشِّرة، وأحاول أن أبعث الأمل في الصدور. عندما انتهيت من أكثر الأعمال قرابة منتصف النهار، وجدتني منشرح الصدر، راضيَ الخاطر، مستعدٌّ لعمل أضعاف ما قمت به. أحياناً: أنا -نفس الشخص- أمر بذات التجربة، وبنفس الحمل من الأعمال، لكنّي أكون شديد القلق، سريع الانفعال، أحاول أن أقوم بالحد الأدنى من العمل، وكفى!! عندما أتأمل الأسباب: ما الذي اختلف؟ ما هي الظروف التي كانت حاضرةً في المرة الأولى، وغابت في الثانية؟ بعد الإمعان والتمحيص، أصل إلى نفس النتيجة، الشيء الوحيد الذي تغير: أنا، وكيف أفكر ؟!!
بالتأكيد، أحيانا تشتد بعض الظروف لتجعل من اليوم أو العمل شيئاً يجلب التعاسة، لكن الاستسلام لهذه المؤثرات الخارجية يعتبر -بطبيعة الحال- فشلاً لنا، فالظروف الخارجيّة لا تأبه باللوم الذي نلقه علينا، وإن أكثرنا !!

بالأمس، اقترحت علي د. مريم العمر اقتراحاً رائعا في إحدى تغريداتها:


نعم، أحياناً يجب أن نسعى لأن نخلق الجو الذي نحب. أي أن الظروف وإن لم تكن مواتية، إلا أننا نستطيع أن نحيط أنفسنا ببعض الطقوس التي تساعدنا على أن نمضي قدماً. هي أشياء بسيطة نحبها، ونستمتع بوجودها، نوع من التغيير، قادرةٌ على إضفاء متعةٍ عجيبة لأعمالنا القاسية. بالفعل، “الطقوس البسيطة كفيلة بقلب موازين أيامنا“.


خلاصتي:
السعادة والتعاسة، جملة وتفصيلاً: هي خيارات، وقرارات حياة، لا ترغمنا الظروف على عيش أحدهما ونبذ الآخر. نعم تستطيع الظروف “الشريرة” أن تصعب مهمتنا في الاستمتاع بما نقوم به، لكن -حتماً- القرار في نهاية المطاف عائدٌ إلينا، وإلينا فقط.

دمتم متفائلين.
🙂

مزعلك عيدك؟ جدد !!


العيد: اللحظة التي كنا نكتب عن تفاصيلها مذ أن كنا في صف التعبير بالمرحلة الابتدائية. أيام احتفال، وطقوس متكررة، إلا أنها مفرحة وتبعث السرور والمهجة في القلب، أو -في أسوء الأحوال- تبعث على الطمأنينة.

العيد مع عائلتي له طقوس متشابهة كل عام. صلاة العيد، العودة للبيت ومعايدة العائلة الصغيرة، قبلة هنا، وقبلة هناك للجميع. اجتماع أهل “الحارة” في المسجد والمعايدة، وأكل “عيد” كل بيت، القيام بالجولة الصباحية مع الأعمام وأبناء العم على الأقارب، والأصدقاء والمرضى وكبار السن. الساعة ١١ ص  -كحد أقصى- ينتهي هذا الجدول الحافل. نومة “يحبها قلبك” إلى منتصف العصر “أو تزيد”، ثم بداية برنامج العيد المسائي، والاستعداد لعشاء العائلة.
هذه تفاصيل عيدي، وأتوقع أن الجميع يمر بطقوس مشابهة، أو على الأقل: له طقوس اعتاد على أدائها والقيام بها، عاما بعد عام.
طيب، وبعدين ؟!!!
تأتي “الحلطمة” السنوية المعتادة، التي تسمعها من الناس حولك: “ياخي العيد ما عاد له طعم مثل أول !!” ، أو “يا رجل العيد يوم حنا صغار كان أونس” ، وهكذا دواليك …
هو إحساس فيه جزء من الصحة، و شعور يراود الكثيرمن الناس. لكن السؤال الجوهري : لماذا ؟!!

أصدقكم القول: لا أملك لذلك جواباً مقنعاً، أو كلاماً “يجمد على الشارب”، لكن،، اسمعوا مني ..

حالتي الصحية -والنفسية إلى حد ما- كانت “لك عليها” من قبل العيد بليلتين، و بعد صلاة الفجر صباح العيد ازداد التعب قليلا، فاضطررت إلى البقاء في الفراش، وإطالة النوم، ولم أدرك صلاة العيد، ولا الاجتماعات والمعيادات الصباحية. استيقظت منهك البدن والروح قبيل الظهر، أبي وإخوتي عادوا من برنامجهم المعتاد، عايدتهم، وسواليف “من هنا ومن هنا” عن برنامجهم، وبعدها توجهوا للنوم، اختليت بي، وجلست أمام نفسي، اتخذت موقف المسائِل والمستَفسِر: “هاه؟ لم تقم بالطقوس المعتادة، بماذا تشعر ؟!!” .

بكل صدق: أشعر بأنه كأي يوم عادي، بل أسوء، الجميع عاشوا “ولو جزءاً” من الفرح والتجديد، وأنا أعيش نفس رتابة الأيام العادية. صحيح أني لم أتعمد قضاء اليوم بهذا الشكل، لكني أحسست بشيء ناقص، لم أعش فرحة العيد.

لن أطيل الكلام والسرد عليكم،، في عمق تفكيري وتأملي، زارتني عبارة كانت شعاراً لنا، في أحد الرحلات الشبابية مع اللجنة الطبية بالندوة العالمية للشباب الإسلامي.
كنا نتمتع بأجواء الطائف وقتها، وشعار رحلتنا كان: جدد!
في كل شيء، جدد!
جدد إيمانك !
جدد ثقافتك !
جدد علاقاتك !
جدد صحتك وبدنك !
والأهم: جدد نيتك !

بدأت أتيقّن أن الإحساس بطعم العيد، هو شعور نابع من دواخل النفس، فيملؤها فرحاً وسروراً.. وهو كذلك ينبعث منها لينعكس على الناس ويرسم على وجوههم البسمة.
إذاً هو ليس “عيديّة تُوزع، ولا ولائم تُؤكل، ولا ملابس جديدة تُلبس، ولا ألعاب نارية تُطلق لتضيء السماء. كلا، ليست كل هذه إلا تفاصيل، لا علاقة لها بـ “حبكة” الموضوع. نعم، هي مظاهر لإعلان الفرحة، تساهم في خلق جو فريد، أحياناً نحتاجها وبشدة لنحس بالتغيير، لكن: لا نفع لها أبداً إن لم ندرك الحبكة، ونفهم صلب الموضوع.
الحبكة، والصلب: هي في تجديد النية، واستيعاب معنى العيد حتى يتغلغل في أعماق القلب.

جدتي رحمها الله، كان تزهد بالملابس، لا تحب الإسراف في الولائم، تكره الألعاب النارية لخطورتها، ومع ذلك، فقد كان العيد حولها: جنة!  كانت مصدراً مستمراً وجارياً للسعادة.. كانت فرحة تمشي على الأرض. اسمعوا مني هذه الحكاية، قد لا تعني لكم شيئاً، لكن بها ستفهمون الحبكة ..

حينما كنت طفلاً صغيراً، لم يكن لي حظ من الأمهات والنساء اللاتي يقمن بتوزيع العيديّات، وكنت في كل عيد أرجع خالي الكفّين ،والجيبين أيضاً !!
وذات عيد، رأيت أن الجميع قد أخذ نصيبه من العيديّات، وبعض أبناء خالتي حصل على “٥٠ ريال”، أتدرون ما معنى ٥٠ ريال لطفل صغير ؟!!
أنا أخبركم: الفللللفة :)))))
المهم، محاكيكم “المفعوص” لم يحصل إلا على “ريالين” وذلك بعد سؤال أحد أولئك النسوة “الشريرات” مباشرة أن تعطيني من مال الله الذي أعطاها. ولما رأيت التهميش الذي جرى لي، قررت الخلود إلى زاوية من زوايا البيت، وندب حظي، والبكاء لنفسي على حالي. أدري، ستقولون “Drama Queen”، لكنكم لم تجربوا الشعور. أسمع أمي وقتها تبحث عنّي، وأخي كذلك، لكني لم أجب! ابن خالتي “صاحب ال ٥٠ ريال” عرف بمكاني، وعلى فوره توجه لأمي يقول لها: “خالة محمد جالس بالمستودع زعلان، ما أدري وش به؟!!” ، في نفسي أقول: ” ايييه، أكييد ما تدري وش بي، يحق لك يالمطنوخ”. المهم: بعد محاولات عديدة من أمي وأخي لإخراجي، أصابهم اليأس. لما علمت جدتي بالموضوع، جاءت للمستودع، دخلت كأنها تبحث عن شيء ما، وكأنها بالصدفة وجدتني أمامها!! سألتني عن حالي، وحاولت أن تعرف السبب، وبعدما ماطَلت و طال الاستجواب، أدخلت يدها في جيبها، وأخرجت الحلاوة التي لا تُقاوَم: حلاوة الصدق !! حدثتها حينها بكل شيء، ابتسمت رحمها الله ، وواستني “بالميسور واللي يسد الحاجة”، وبعدما تأكدت أني قد رضيت، أمسكت بيدي وقالت: “يا وليدي، العيد هنا!” ووضعت يدها على صدري..
لقد أدركت رحمها الله أن الفرح  بالعيد إنما يبلغ شغاف القلب، إذا أردنا نحن ذلك، وأن والسرور حق من حقوق الإنسان، لا يسلبه منه أحد، إلا نفسه، وأن المهجة لا تدخل الروح إلا إذا سمحنا لها بذلك. رحمها الله رحمة واسعة.

أعلم أنّي لم أكتب شيئاً جديداً، ولم آتي بفلسفة غريبة علينا، إنما هي تأملات، وتذكير لي، ولمن أراد أن يذّكر.

دمتم بِنيّاتٍ متجددة
🙂